فيس بوك

الخميس, 14 أيلول/سبتمبر 2017 05:14

القصة القصيرة بخير

كتبه وارد بدر السالم
قيم الموضوع
(0 أصوات)

القصة القصيرة بخير
وارد بدر السالم
قُيضَ لي مؤخراً أن أطّلع على حوالي 270 قصة قصيرة ضمن جائزة أدبية وطنية لإبراز دور القصة القصيرة في تأصيل الحياة الثقافية بعدما طغت الرواية على عموم السرد حتى كاد هذا النوع يبتلع ما سواه من الفنون الأدبية الأخرى، لكن يأتي اشتراك هذا العدد الكبير لهواة ومحترفين يكتبون القصة القصيرة تأكيداً جديداً على أن هذا الفن ليس من السهولة تجاوزه، فهو فن اللمحة الحياتية القادرة على إضاءة زاوية من الحياة وتوسيع بقعة الضوء عليها بطريقة يمكن أن نقول إن مثل هذا النثر الضارب في القِدَم هو اللون الذي لا تتخلى عنه السرديات الأخرى كالرواية والمسرح وحتى الشعر في التماعاته اللغوية والصورية وخيالاته فائقة المدى.
أثبتت هذه الجائزة الشاملة أنها سارت عكس التيار السائد في إيلاء السرد الروائي أهميةً أولى، فجمعتْ مثلَ هذا العدد غير الاعتيادي تحت مظلتها التي أفرزت عشرات القصص المهمة في تأكيدها على أن القصة القصيرة تبقى فناً جامعاً للفنون الأخرى، مع أن الرواية بسبب حجمها السردي يمكن أن تكون هي الجامع المناسب غير أن القصة القصيرة بوصفها فن اللقطة هي التي بادرت بوضع نسق النثر بصورته الحالية بعد أن مرت بتجارب عالمية مثيرة على أيدي كبار الناثرين في هذا الفن الصعب كموبسان وإدغار ألن بو وتشيخوف، ومن المشهد القصصي العربي يقف يوسف ادريس في طليعة المجددين العرب للقصة القصيرة وهو أمر نقدي معروف، ومثله زكريا تامر البارع في اقتناص لحظة القصة الوامضة بطريقته الفنية الرشيقة، وفي العراق المبدع محمد خضير المجدد البارع لهذا الفن والذي تحتفظ له الذاكرة القصصية بالكثير مما أنجزه في هذا الحقل سابقاً.
وحينما تتداخل الأجناس الأدبية كما يحصل اليوم وتستحوذ السرديات الروائية الكبرى على هذه السمة الفنية فيجب أنْ نُعيد الاعتبار لفن القصة القصيرة التي سبقت الرواية في هذا الجمع الفني غير الاعتيادي لدى كبارها وروادها حينما أخذت من الشعر قوةَ اللغة فيه وخيالَ التصوير ومن الرواية حبكةَ الحدث بإيجازها وتكثيفها له ومن الموضوعات ما هو مثير في السياسة والحياة اليومية الاجتماعية على تعدد مستوياتها ومهيمناتها وأنساقها. وبالتالي فالقصة القصيرة متضامنة مع بقية الفنون في أهدافها وسياقاتها الفنية.
ولأنّ القصة القصيرة فنٌّ ليس شارحاً ولا مُتّسِعاً لهذا بقي بين أقواس مسافاته الزمنية والحدثية والمكانية، مغايراً للمسرح بحواراته الطويلة، كما هو مغاير للرواية التي تعتمد الاتساع الزمني والمكاني والحدثي وتجوب بقية الفنون وتلتقط منها ما يغني مساحاتها كلها. ومع متغيرات الظروف السياسية العربية والعالمية توسعت الحياة بمفردات ومعطيات جديدة وقضايا صارت أكثر تعقيداً اجتماعياً قد لا تستوعبها شطحة زمنية عابرة أو مكان لا يطلُّ على زاوية أوسع أو لغة مكثفة لا تعبّر عن كل هذا، وهذا ما جعل القصة القصيرة تتوارى مؤقتاً لصالح الرواية التي انفتحت أجنحتها وصار مداها أبعدَ ورؤيتها أكثرَ نفاذاً في الواقع ومتغيراته الكبيرة الحاسمة.
هذه الجائزة كشفت عن أسماء جديدة يهمنا أن تستمر مع هذا الإرث الضخم لفن القصة القصيرة الذي يكاد يتوارى عن الحياة الثقافية والأدبية، وبتقديراتنا أن هذا الفن سيبقى مستطلعاً ومشاهِداً تاركاً للسرد الروائي فرصته أن يغطي هذه المساحات المأهولة بالمتناقضات، لتعود بعدها القصة القصيرة لتلتقط ما تركته الرواية ولم تنتبه إليه فتعيد صوغه من جديد.
هذا العدد الكبير المشارِك دليلٌ واضحٌ على أنّ القصةَ القصيرة لن تتوارى بسهولة لصالح أي جنسٍ أدبي، وأنّ مثل هذا العدد غير الاعتيادي الذي دخل ممخضةَ المسابقة يشفُّ عن استدراكات أدبية صحية لصالح فن القص الذي سيتعافى ويأخذ مداه بطريقة أكثر فناً وجمالاً وبقاءً.
كاتب عراقي

قراءة 37 مرات