الفرقاء المسيحيون في لبنان يدفعون ثمن خلافاتهم

الفرقاء المسيحيون في لبنان يدفعون ثمن خلافاتهم


بيروت - ترى أوساط شعبية مسيحية في لبنان أن القوى السياسية من الطائفة تتحمل المسؤولية الرئيسية حيال ما يجري من تهميش وإقصاء ممنهج يستهدف المسيحيين في إدارات لبنان ومؤسساته. وتقول تلك الأوساط إن الانقسامات التي تعصف بالطبقة السياسية المسيحية، والصراع الدائر فيما بينها، يجعل من القوى المقابلة تتجرأ على ضرب مبدأ المناصفة والعيش المشترك.
وتلفت إلى ما يحدث حاليا من استهداف للمكوّن المسيحي في عدد من المؤسسات وبينها الجمارك، هو نتاج الحسابات الضيقة للبعض من القوى السياسية المسيحية، والأنانية المفرطة التي أوصلت الطائفة في لبنان إلى هذا الوضع الذي هي عليه اليوم. ويشهد أعلى منصب سياسي للمسيحيين في لبنان وهو رئاسة الجمهورية فراغا منذ أكثر من عام جراء صراعات بين الفرقاء المسيحيين على خليفة الرئيس المنتهية ولايته العماد ميشال عون، وانعكس الفراغ بشكل كبير ليس فقط على لبنان، بل وأيضا على حقوق الطائفة.
وتفجّرت الانتقادات الموجهة للقوى السياسية المسيحية على خلفية توجه حكومة تصريف الأعمال إلى تعيين 200 خفير في إدارة الجمارك جميعهم من الطائفة المسلمة، وهو أمر يخالف العرف القاضي في لبنان بأن تجرى التعيينات بالتناصف بين المسيحيين والمسلمين.
ومن المرات النادرة أن يلتقي حزب القوات اللبنانية وخصمه التيار الوطني الحر على موقف موحد، حيث عبّر الطرفان عن رفضهما لتوجه حكومة نجيب ميقاتي مطالبين بمراعاة التوازن الطائفي. وأعربت مصلحة القطاع العام في حزب القوات اللبنانية عن استغرابها “من الإصرار الشديد على تمرير تعيين ما يقارب 200 خفير في مديرية الجمارك”. واعتبرت مصلحة القوات في بيان لها أن ذلك “يُشكّل نسفاً للتوازن ولجوهر قرار مجلس الوزراء 9/2020 الذي أورد في متنه بوضوح ضرورة مراعاة مقتضيات الوفاق الوطني والعيش المشترك”.
من جهته قال التيار الوطني الحر “مرة جديدة يمعن الممسكون بالسلطة على استغلال الفراغ الرئاسي لضرب مرتكزات الميثاقية والعيش الواحد، وذلك عبر محاولة تمرير تعيين حوالي 200 خفير من طائفة واحدة في إدارة الجمارك، من دون أي عنصر مسيحي، خلافاً لقرار مجلس الوزراء رقم 9 /2020. وأضاف التيار في بيان إنه “ينبّه ويحذّر من خطورة خطوات مماثلة في الدولة وإداراتها، وهو يدعو جميع المعنيين إلى عدم السير بهذا التعيين، حفاظاً على التوازن والتنوع والشراكة ولعدم ضرب ميثاق العيش المشترك بين اللبنانيين”.
وكانت مؤسسة لابورا غير الحكومية الأعلى صوتا بتحذيرها “من عدم تجاوب حكومة تصريف الأعمال مع طلب إدارة الجمارك تطويع 750 خفيرا متمرنا، بعدما وافقت عليه وزارة المالية وإعادة النظر بقرار مجلس الوزراء رقم 5 بتاريخ 7/9/2023، باعتبار أن القرار لا يتماشى مع مقتضيات الوفاق الوطني والعيش المشترك الذي تم التأكيد عليه في متن القرار الأساسي لمجلس الوزراء رقم 9 بتاريخ 14/7/2020”.
وقالت المؤسسة التي تأسست في العام 2008 ويرأسها الأب طوني خضرا “إن ما يجري في العديد من الإدارات، وفي إدارة الجمارك، يكشف بشكل فاضح وخطير تواطؤ الحكومة على التغييب الممنهج للمسيحيين عن مؤسسات الدولة وبالتالي عن المشاركة في خدمة الوطن”. وهنا تتساءل لابورا “ألم يعد لدى المسيحيين كفاءات وطاقات لكي يتم استبدال أيّ موقع مسيحي في الإدارة العامة بشخص غير مسيحي؟ هل الموافقة على طعن من قبل 9 أو 10 أشخاص من المتقدمين إلى الجمارك، يستوجب إدخال العشرات غيرهم معهم وهم من طائفة واحدة؟”.
وأضافت في بيان أن “صم الآذان عن المراجعات المتكررة من قبل أعلى المرجعيات المسيحية حول الموضوع، يؤكد إصرار حكومة تصريف الأعمال على تمرير مشاريع الإقصاء ضد المسيحيين، وهو أمر لا يستهدف المسيحيين فحسب، بل يستهدف لبنان بدستوره وصيغته، وسيؤدي إلى تغيير وجه الوطن، وهو أمر لا يمكن أن يتم السكوت عنه. لذلك تدعو لابورا حكومة تصريف الأعمال إلى التراجع عن قرارها المجحف بحق التوازن في لبنان، وليتحمل كل مسؤول في السلطة، خاصة الوزراء والنواب المسيحيون مسؤوليتهم أمام من أعطاهم حق التمثيل”.
وشددت المؤسسة في بيانها على أن “المرحلة الدقيقة التي يمر بها لبنان تتطلب تضامناً وطنياً وإصراراً جامعا للحفاظ على الشراكة الوطنية، لاسيما في الإدارة العامة والأجهزة العسكرية، وأن حل الشغور يكون بتصحيح الخلل فورا عبر الموافقة أولا على التطويع المقترح من قبل إدارة الجمارك والذي يعكس الحاجة الفعلية للإدارة، وإعادة النظر في التعيينات الأخيرة في أكثر من إدارة، بالإضافة إلى التنبه ووقف هذا الضرب الممنهج للشراكة والكيان”.
ومنذ نهاية عهدة الرئيس السابق ميشال عون في أكتوبر 2020، وفشل الفرقاء المسيحيين في التوصل إلى اتفاق بشأن مرشح توافقي، ظهرت تحذيرات على السطح من توجهات ترمي إلى الإخلال بمبدأ التوازن الطائفي في لبنان على مستوى التعيينات.
ونبه البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي مرارا من تفريغ المواقع المسيحية. ومن أبرز ما قاله في هذا السياق، كان خلال ترؤسه قداس السلام العالمي في كنيسة السيدة في الصرح البطريركي في بكركي، إذ اعتبر أنّ “إطالة الشغور الرئاسي سيتبعه بعد مدة شغور في كبريات المؤسسات الوطنية الدستورية والقضائية والمالية والعسكرية والدبلوماسية. ومنذ الآن نحذر من مخطط قيد التحضير، لخلق فراغ في المناصب المارونية والمسيحية”. وأضاف الراعي في تلك العظة “ما نطالبه لطوائفنا نطالبه للطوائف الأخرى. لكننا نلاحظ تصويباً على عدد من المناصب المارونية الأساسية لينتزعوها بالأمر الواقع، أو بفبركات قضائية، أو باجتهادات قانونية عبر الطلب، أو بتشويه سمعة المسؤول”.
لكن تعاطي القوى السياسية في لبنان وبينهم المسيحيون أنفسهم مع تحذيرات البطريرك الماروني كانت دون المطلوب، وانبرى التيار الوطني الحر الذي يعد أحد أبرز الأحزاب المسيحية إلى البحث عن مكاسب لتعزيز نفوذه ضمن المشهد السياسي، دون أن يراعي في ذلك خطورة تشرذم الساحة المسيحية، وتداعيات ذلك على حقوق الطائفة. وكان الحزب الذي يقوده صهر الرئيس السابق جبران باسيل ولا يزال يقف حجر عثرة حتى الآن أمام فرص انتخاب رئيس للجمهورية.

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه