قانون العفو العام ، الاستثناء وانصاف الابرياء

 

نهاد الحديثي

 

تعول القوى المعتدلة على إقرار تعديل قانون العفو العام الصادر في عام 2016 خلال الأشهر الستة الأولى من تشكيل الحكومة،هذا التعديل بعد إقراره سيكون بآليات جديدة تختلف عمّا كانت عليه في السابق، وذلك بأسناد المهمة إلى محاكم الاستئناف ومحاكم الموضوع وبمشاركة الادعاء العام وكفالة حق الدفاع عن المتهم , هذا الأمر تضمنه المنهاج الوزاري, ويبدو أن الإطار التنسيقي متفق مع الآخرين على إقرار القانون، بشرط عدم شمول الإرهابيين وسراق المال العام, وتعول تلك القوى لانصاف الابرياء واعادة التحقيق لمن يثبت أن أقواله انتزعت منه بالإكراه أو أنه مدان بناء على اقوال متهم بصفة شاهد وغيرها من الموضوعات التي من شأنها أن تعيد للمظلوم حقه
شهد العراق بعد عام 2003 قانونين للعفو العام الأول تم سنه في عام 2008 والثاني في عام 2016،وعدل في العام التالي ,و تعتزم اللجنة القانونية النيابية، إعادة صياغة قانون العفو العام والمضي به تحت قبة البرلمان بشكل جديد، فيما اشارت الى أنها تسعى الى إنصاف المظلومين الذين نالوا أحكاما تعسفية في السجون العراقية, وأوضحت، أن "قانون العفو العام بحاجة الى اجتماعات واتصالات مع الجهات القضائية ومجلس القضاء الأعلى لبحث الوقائع السابقة والابعاد للوصول الى صيغة قابلة للتطبيق,ووفقاً للقانون رقم 14 لسنة 2018، فإن أكثر السجون تابعة لوزارة العدل، (الاحداث والاصلاح)، لكن توجد مراكز احتجاز وتوقيف تابعة لوزارة الداخلية، مكافحة الارهاب، وزارة الدفاع، والمخابرات، كما توجد مراكز احتجاز خاصة لكبار الفاسدين ,قوانين العفو تتضمن إعادة المحاكمة للمشكوك في قضاياهم"، وهناك تعديلات على قانون العفو العام للعامين 2008 و2016"، قانون العفو لا يشمل قضايا الإرهاب ولا قضايا الفساد- ,قالت مفوضة الامم المتحدة السامية لحقوق الإنسان “ميشيل باشيليت” في بيان الافتتاح، ألذي تلته في مجلس حقوق الانسان بتاريخ 24 حزيران/يونيو 2019، “إن التنكر للعدالة عقب محاكمة معيبة، قد يشمل الاحتجاز غير القانوني واللا إنساني وعقوبة الإعدام، لا يمكنه إلّا أن يخدم خطاب الظلم والانتقام , ورغم المطالبات الدولية والمحلية المتكررة، بتحقيق العدالة في المحاكمات، والابتعاد عن إسلوب الانتقام وتفعيل العامل الطائفي في التعامل مع المعتقلين، وأكدت منظمات حقوقية، أن كثيراً من الذين اُعدموا، أو “بقيت قضيتهم معلقة”، سُجنوا استناداً لوشاية المخبر السري ، وانتزعت منهم اعترافات تحت التعذيب,, ومازالت السجون مليئة بالشباب الذين تم اعتقالهم على الشبهات ولأسباب غير معلومة، والبعض منهم قبع في السجن فترة طويلة، ولهذا صار لزاماً الإسراع بتشريع قانون العفو العام وفق الاتفاق السياسي ,ناهيك عن السجون السرية التي تمتلئ بالمخطوفين وآلاف الأبرياء بالسجون نتيجة الطائفية و(وشاية المخبر السري) سيئ الصيت
ليس من المعروف على وجه التحديد عدد نزلاء السجون العراقية، إذ ان كثيراً من السجون السرية أنشأتها الميليشيات، ولا تعرف الجهات الرسمية شيئاً عنها، وبالتالي لا تتوفر معلومات دقيقة بشأنها، لكن البيانات الرسمية التي تصدر بين حين وآخر تشير لأعداد كبيرة جداً منهم في السجون الرسمية, حسب بيان سابق لوزارة العدل التي اضافت ان عدد السجناء الذين وصفتهم ب”الإرهابيين” تجاوز 50 ألف سجين، نصفهم محكوم بالإعدام. وتابع البيان إن “أحكام الإعدام لم تنفذ لعدم اكتسابها الدرجة القطعية، أو أن بعضهم لم يصدر مرسوم جمهوري بإعدامه”، مضيفاً أن “أي حكم يكتسب الدرجة القطعية ويصدر به مرسم جمهوري ينفذ، لكن نحو 90% من الأحكام لم يصدر بها مرسوم جمهوري، أو لم يكتسب الدرجة القطعية، فأحياناً يستجد أمر ما، أو هناك نقص في الأوراق التحقيقية، أو يخضع للتمييز بحيث تبقى القضية معلقة, ويشرح الباحث في مركز رامان للبحوث والاستشارات، شاهو القره داغي، أن "تنفيذ قانون العفو يعني ببساطة الاعتراف بتبني إجراءات طائفية وتصرفات غير قانونية سابقاً، وملء السجون بالأبرياء نتيجة المُخبر السري والتهم الكيدية أو لأغراض انتقامية وتصفية حسابات وإدانة الكثير من الأطراف التي ساهمت في هذا الأمر, ويوضح القره داغي ، أن "أطراف سياسية معروفة لا تستطيع تجاوز الماضي، أو تبني سياسات مختلفة، ولازالت تتمسك ببعض السياسات والتصورات التي ساهمت في حدوث أزمات سياسية واجتماعية يعاني منها العراق حتى الآن، وأن عرقلة هذا القانون قد يوثّر على الاتفاقات السياسية التي ساهمت في تشكيل الحكومة الجديدة، وبالتالي التأثير على حكومة السوداني بصورة مباشرة
يرى خبراء قانونيون ، أن "إسراع حكومة السوداني برفع مسودة لقانون العفو العام للبرلمان ضرورة باتت مُلحّة لعوامل وأسباب عديدة، أهمها أن الحكومات الإصلاحية الجديدة في كل دول العالم تسعى إقرار قوانين العفو العام لبدء صفحة جديدة مع الشعب الذي عانى من ويلات وتراكمات الحكومات السابقة, القوانين الوضعية المهمة تكفّلت بالعفو العام كقانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 بالمواد 150 و153، وقانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 بالمواد 300 و 301 و 304 و 305"، مبيناً أن ما يدعو ويحفز للعفو كمنطلق اسلامي قوله تعالى ((فاعف واصفح)) ، وقوله تعالى ((فأن الله كان عفوا قديرا))النساء ,كما ان ازدياد تكاليف السجناء من إطعام وعلاج وكهرباء وماء في ظل ارتفاع سعر الدولار مما يكلف موازنة الدولة مبالغ طائلة، اضافة الى ان الكثير من الأوساط النيابية والحكومية أشارت لشبهات فساد في السجون، وبإقرار العفو ستُزال تلك الشبهات والشكوك, ويرى مختصون ان الدوافع الاقتصادية الكبيرة والعوز دفع الكثير للانخراط بجرائم سرقة وابتزاز وسطو مسلح بهدف المعيشة، كما أن من أهمية العفو العام هو القضاء على مفاقس الإرهاب داخل السجون، الذي يقوم بها نفر قليل والتي تُحاول تغيير نمط السجون بمحاولات يائسة من إصلاحية إلى بؤر التكفير والكراهية
العراق تجاوز مرحلة مهمة كانت صعبة على العراقيين، وهي التحدي الأمني الذي كان يواجهه العراق بسبب داعش والطائفية في البلاد، وبعد القضاء على داعش وانتهاء الطائفية على الأقل مجتمعياً - يقتضي البدء بمصالحة وطنية شاملة تهدئ الأوضاع للبدء بمرحلة جديدة من البناء والتنمية,الجانب الأخلاقي والإنساني والشرعي ومصلحة البلد جميعها تقتضي تجاوز هذه المرحلة، والبدء بمصالحة حقيقية تبدأ من قانون عفو عام عن العراقيين وخاصة ممن انتزعت منهم الاعترافات بالقوة، بسبب المُخبر السري وأسباب أخرى تعود للاحتقان الطائفي آنذاك الذي كان يسود الأنظمة السابقة , ونؤكد على ضرورة "البدء بمرحلة جديدة وسريعة بتطبيق الاتفاقات السياسية التي حصلت ومن ضمنها قانوني العفو العام والمساءلة والعدالة، وفي حال لم يصدر قانون عفو عام فينبغي - على الأقل - إعادة التحقيق مع المتهمين لكي يُرفع الظلم عن الذين تم حكمهم ظلماً بسبب مُخبر سري أو شهود زور
نعم -- مازالت الأوساط البرلمانية والشعبية إقرار البرلمان لقانون العفو العام بعد تعديله، ودعا سياسيون وبرلمانيون إلى المضي بإقرار القانون لما يمثله من أهمية لدى شريحة واسعة من الجمهور لاسيما "السني" من كتلتي "تقدم" و"السيادة"، مبينين أن التوافق السياسي سيكون سيد الموقف من أجل دخول قانون العفو العام حيز التنفيذ,,و يواجه القانون مصيراً غامضاً على الرغم من وجود اتفاق سياسي أثناء تشكيل حكومة محمد شياع السوداني على تشريعه، ويشير مراقبون إلى أن هناك إرادة سياسية وخاصة من قبل الإطار التنسيقي لتعطيل القانون وعدم الالتزام بالوعود التي مُنحت سابقاً للجهات الأخرى (السنة) لضمان مشاركتهم في الحكومة الجديدة. ويؤكد مختصون أن إقرار قانون العفو العام سوف يُنصف فئات كبيرة، ويُسهم في تعزيز السلم المجتمعي، ويزيد ثقة المواطن بالحكومة، ويُنقذ شريحة واسعة ممن يقبعون داخل السجون لأسباب بعضها قد تكون ظروف قاهرة خارجة عن إرادة المحكوم
وتستمر المفاوضات بين الكتل السياسية وعلى رأسها ائتلاف ادارة الدولة والكتل السنية، بشأن تشريع قانون العفو العام، إذ تشترط الكتل الشيعية المضي بالقانون بعد ابعاد المتورطين بجرائم ارهابية، عن فقراته, فيما ترى القوى السنية أن المضي بالقانون سيُعيد تأهيل الكثير من المسجونين، ويراعي المعايير العالمية لحقوق الانسان بالاضافة إلى معالجة الاكتظاظ في السجون العراقية, حيث ترى اللجنة القانونية النيابية قانون العفو العام من القوانين السياسية البحتة"، مبينة ان "هناك مسودتين لمشروع القانون , المسودة الاولى ترسل من قبل الحكومة والتي لم ترسل لغاية الان , المسودة الثانية فهي مقترح تعديل للقانون القديم الذي شُرع في العام 2016 , العفو العام من ضمن القوانين التي تعتبر من أولويات ائتلاف إدارة الدولة ورئيس الوزراء الذي وعد في أكثر من مناسبة التزامه بتنفيذ هذا القانون، وقد شكّل لجنة داخل مجلس الوزراء من أجل تهيئة مشروع تعديل القانون وإرساله إلى مجلس النواب, فهناك سجناء في الدوائر العدلية أو في السجون العراقية بحاجة إلى عفو لكي يبدأوا صفحة جديدة، وهذا معمول به في كل دول العالم، وكذلك من أجل تخفيف الاكتظاظ بالسجون لتطبيق المعايير العالمية لحقوق الإنسان التي تنطبق على السجناء العراقيين

قانون العفو العام ما يزال موضع جدل بين الكتل السياسية، ويحتاج الى توافق سياسي بين الجميع, هناك توافقاً تجاه تشريع القانون، والمكوّن السُنّي داعم لتشريع القانون وتعديله"، مشيرا الى أن "هناك أبرياء كثيرين داخل السجون بحاجة إلى إعادة التحقيق والمحاكمة من أجل إطلاق سراحهم, هناك أكثر من 60 ألف نزيل في السجون العراقية, هناك من سجنوا ظلماً والقانون سيعيد النظر بالكثير منهم عند تشريع القانون , والقانون ما يزال خارج جدول اعمال مجلس النواب، الا ان ائتلاف ادارة الدولة في طور المفاوضات مع الكتل السياسية للخروج بصيغة نهائية يمكن التصويت عليها, ويرجح برلمانيون التصويت على القانون بعد الانتهاء من مشروع قانون الموازنة المالية العامة، فيما شكل رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني في نيسان الماضي لجنة لغرض إعداد مشروع قانون العفو العام، معتبرا أن إقراره، "سيكون إنجازا لجميع الكتل السياسية المنضوية داخل ائتلاف إدارة الدولة

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)
نهاد الحديثــي

كاتب وصحفي عراقي

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه