المكيافيلية في العقيدة السياسية: حماس وإسرائيل نموذجا

بقلم سمير عادل تشرين2/نوفمبر 28, 2023 105

المكيافيلية في العقيدة السياسية: حماس وإسرائيل نموذجا


الجماهير التي تدافع عن حقوق الشعب الفلسطيني هي من فرض الهدنة وهي القادرة على إنهاء الحرب وإحلال السلام عبر دعم تأسيس دولة فلسطينية مستقلة تنهي عقودا من الظلم القومي السافر.

آخر ما يهم الأطراف المتصارعة هو الإنسان
لا يحتاج المرء إلى أي عناء لإثبات أن دولة إسرائيل هي دولة احتلال، دولة إرهاب بالمعيار الذي وضعته الأمم المتحدة وإسرائيل عضو فيها، دولة أبارتايد بامتياز، وأصبح وجودها كدولة، عليه علامة استفهام كبيرة، وفقدت كل المعايير الأخلاقية للدفاع عن شرعيتها.

في مقابل كل ما فعلته وتفعله إسرائيل من جرائم ضد الإنسانية ومنذ أكثر من سبعة عقود وليس منذ السابع من أكتوبر من عام 2023، ماذا فعلت حماس، وكيف حولت الدمار الذي لحق بقطاع غزة وقتل ما يقارب 15 ألف إنسان، أكثر من 6 آلاف منهم أطفال، إلى انتصار عبر مقايضة بائسة وخائبة يتم فيها إطلاق سراح 300 سجين فلسطيني مقابل 50 محتجزا إسرائيليا. السؤال الذي يطرح نفسه هل تستحق كل هذه المأساة ثمن المقايضة الذي دفعته جماهير غزة؟

كل الإعلام الذي يسمي نفسه بـ“المقاومة والممانعة” يشرب نخب انتصارها المزعوم، انتصار ثمنه هدنة لوقف الحرب لمدة 4 أيام وقد تمدد أكثر، وليس مهما ماذا سيحدث يوم غد، المهم هو “الهدنة” ويضيف إليها قادة حماس أنها فرضت شروطها، التي سوقتها لنا على أنها انتصار عظيم حققته حركة المقاومة الفلسطينية.

وليس جديدا على الإعلام القومي والإسلامي العربي القدرة على تحويل الهزائم إلى انتصارات عبر استخدام المدافع الإعلامية العملاقة التي يتفردون بها في العالم، وإطلاق الآلاف من الجمل الإنشائية الطنانة لرسم صور مزيفة لحجب الحقيقة المرة عن جماهيرها بالدرجة الأولى وبعد ذلك عموم المجتمع، تلك الحقيقة هي ممارستها للسياسة المكيافيلية لتحقيق أهدافها.

◙ إيقاف الحرب على غزة فورا هو قضية تمسك بخناق الإنسانية، والهدنة التي حدثت، والتي عنوانها تبادل الأسرى، وهو العنوان الذي تختبئ الأطراف المتحاربة تحته، بينما الحقيقية أن الطرفين استنزفا بعضهما

تلك السياسة تطبقها إسرائيل بحذافيرها، وتسميها قانون هانيبال في حربها، وهو القانون الذي يبيح التضحية بمواطنيها وجنودها إذا كان في ذلك ما يحقق مصلحة أمنها القومي سواء الإستراتيجي أو التكتيكي. ونقصد أمن نخبتها وطبقتها ودولتها العميقة. وفي نفس السياق تطبق حماس نفسها القانون عينه، عندما حصرت كل معركتها وحربها على إسرائيل في السابع من أكتوبر بصفقة بينها وبين إسرائيل سميت بتبادل الرهائن أو المحتجزين أو الأسرى لدى الجانبين، وبغض النظر عن المسميات، فثمنها الموت والدمار الذي يخيم على كل شبر من قطاع غزة.

وبعيدا عن كل الجعجعة الإعلامية للطرفين، فإن ما كشفته صفقة تبادل الرهائن والأسرى هو زيف العقيدة السياسية لدى الطرفين، وأن آخر ما يهمهما هو الإنسان. حيث يتبجح بنيامين نتنياهو بحق دفاع إسرائيل عن نفسها وأمن مواطنيها، في حين تعلن حماس أن ما قامت به هو الانتقام مما يقترف ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية والأقصى. وهما مستعدان لحرق الأخضر واليابس، لا من أجل ما يعلنان عنه، بل من أجل تغيير توازنات المعادلة السياسية وتحسين حظوظهما في المشهد السياسي. وإن الانتصار المزعوم سواء ما يعلنه نتنياهو بأنه يقترب من هدفه عبر تدمير غزة، أو سواء الذي يعلنه قادة حماس بالوصول إلى هدنة “بشروطها”، ليس أكثر من كذبة كبيرة يحاول كل طرف لملمة جراحه بها، ولكن من يدفع الثمن هم الفلسطينيون في الضفة الغربية وغزة.

من حق الشعب الفلسطيني مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، واتخاذ أي أساليب مناسبة لإنهاء ذلك الاحتلال البغيض الذي يمارس شتى أنواع الظلم الاجتماعي، ولكن يجب أن يبقى الإنسان المحور الذي يتم النضال من أجل تحرره وتمتعه بحياة حرة وآمنة وكريمة. إلا أن تسويق صفقة تبادل عدد من الرهائن وهدنة لمدة 4 أيام على أنها انتصار عظيم مقابل سقوط الآلاف من الأبرياء، أي إطلاق سراح 300 شخص من السجون الإسرائيلية مقابل موت 15 ألف إنسان، هو كذبة واضحة. فأي معيار يمكن أن يطبق على هذه المعادلة! وهل هؤلاء الـ300 شخص سيكونون سعداء بنيل حريتهم عندما يخرجون من السجون ويجدون كل شيء مدمرا وقد فقدوا ذويهم أو حتى لم يجدوا من يستقبلهم من أعزائهم أو بيتا يؤويهم؟

ما نريد أن نقوله إنهم يكذبون على العالم، وقد يطول عمر كذبتهم، بيد أنها لن تصمد إلى الأبد. فها هي إسرائيل قد فضح أمرها وبينت كم هي دولة كريهة وعنصرية، بالرغم من تسويق مظلوميتها بحرفية عالية طوال ثلاثة أرباع القرن. وأما حماس وعندما تحط الحرب أوزارها، ستعرف الجماهير أن ثمن تحرير 300 سجين فلسطيني لا يستحق موت عشرات الآلاف منهم وتدمير أكثر من 200 ألف وحدة سكنية. بيد أنه بالنسبة إليها، أي حماس، فإن دخولها إلى المعادلة السياسية أو إزاحة منافسيها هو الانتصار الذي سيسوق بأنه انتصار الشعب الفلسطيني وصموده وحركة المقاومة. وسيعزف المطبلون من الأقلام المأجورة التي ترفع الشعار الذي فضحته وحشية إسرائيل على غزة “وحدة ساحات المقاومة” بأنها مرغت كرامة الشيطان الأكبر والأصغر بالتراب، وهي تعرف أنه انتصار وهمي وبأمس الحاجة إليه كي تغطي أو تطمس ماهية سياستها غير الإنسانية من أجل تحقيق أهدافها السياسية.

إيقاف الحرب على غزة فورا هو قضية تمسك بخناق الإنسانية، والهدنة التي حدثت، والتي عنوانها تبادل الأسرى، وهو العنوان الذي تختبئ الأطراف المتحاربة تحته، بينما الحقيقية أن الطرفين استنزفا بعضهما، وكل ما يقال على أنه انتصار هو ضرب من السخافات. من فرض الهدنة ليست إسرائيل وليست حماس بشروطها، بل التظاهرات والاحتجاجات التي تجتاح العالم وخاصة البلدان الغربية، والتي أرغمت ساستها المنافقين والكذابين والمتباكين على حقوق الإنسان على رفع صوتهم ضد جرائم دولة إسرائيل الفاشية.. الجماهير التحررية التي تدافع عن حقوق الشعب الفلسطيني، هي من فرض الهدنة على الطرفين، وهي القادرة على إنهاء الحرب، وكذلك إحلال السلام عبر دعم تأسيس دولة فلسطينية مستقلة تنهي عقودا من الظلم القومي السافر.

سمير عادل
كاتب عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه