قطار مراكش السينمائي يمضي غير عابئ بالبيانات السياسية

بقلم حكيم مرزوقي كانون1/ديسمبر 02, 2023 119

قطار مراكش السينمائي يمضي غير عابئ بالبيانات السياسية


من يقف وراء إصرار بعض المشاركين في مهرجان مراكش على أن تقوم إدارة المهرجان بإصدار بيان عن الوضع في غزة؟ هل هذا مطلب من مطالب أطفال غزة أم أن وراء الأكمة ما وراءها.

لأن الفواجع لا تتوقف.. فكروا وقدروا ثم قرروا
منذ ما يزيد عن عشرين عاما، وفي خضم تبعات وتداعيات أحداث سبتمبر 2001 المشؤومة، فكر القائمون على تأسيس وتسيير مهرجان مراكش السينمائي، إذا ما كان عليهم التوقف عن إطلاق الدورة الأولى وسط تلك الأجواء المكفهرة.

فكروا وقدروا، ثم قرروا الاستمرار والمضي قدما نحو حلم جميل يليق بمدينة جميلة يؤمها الزائرون من مختلف أصقاع العالم، وتمثل منصة سينمائية حقيقية، لما فيها من تنوع واختلاف وحركة واحتفاء بالحياة أي أنها لا تشبه إلا السينما في سعيها الدائم نحو الإدهاش.

ولأن الأحداث والفواجع لا تتوقف، فإن من مجانبة الصواب أن يقع إيقاف الدورة بذريعة التعاطف مع ضحايا العدوان الإرهابي فيتم خنق المهرجان في مهده بدافع عوامل خارجة عن إرادته.

الآن، والعالم يشهد الأحداث المأساوية في غزة بعد عملية السابع من أكتوبر، تحوم نفس الوساوس المشابهة لما كان على إثر أحداث سبتمبر 2001، لدى بعضهم، وإن كانت بدوافع مختلفة، وحاولوا تحميل الدورة الحالية والقائمين عليها وزر ما يحدث في غزة.

التظاهرات الثقافية، وفي صيرورتها الدورية المنتظمة، هي أشبه بقطار يمضي، ولا ينبغي أن تعرقل مساره مشاهد خارج سكته، ومهما كانت جسيمة ومؤثرة

المهرجان الدولي للفيلم الذي تحتضنه مدينة مراكش المغربية ووقع افتتاحه منذ أسبوع بحضور ثلة من نجوم السينما في العالم، يحرك في الأذهان سؤالا يتجدد حول مدى علاقة الاحتفاليات الفنية والثقافية بالراهن السياسي وما يستجد وينعكس من أمور: من الأجدر به أن يحتوي الآخر ويخفف من ثقل حضوره، الأحداث أم المهرجان؟

التظاهرات الثقافية، وفي صيرورتها الدورية المنتظمة، هي أشبه بقطار يمضي، ولا ينبغي أن تعرقل مساره مشاهد خارج سكته، ومهما كانت جسيمة ومؤثرة.

نعم، قد يتفاعل ركاب قطار مراكش السينمائي مع هول ما يحدث، وقد تتغير برمجات ويقع استدعاء ما يمكن أن يكون له علاقة بالحدث على سبيل التذكير والتنويه ولفت الانتباه، لكن أن تلزم إدارة المهرجان والقائمين على تنظيم الدورة بإصدار البيانات السياسية، فهذا ليس من مهام السينما.

ومن أراد أن “يلعب السياسة” فلها منابرها وأحزابها ووسائلها الإعلامية الخاصة بها، أما أن تصب الخل في الزيت وتقحم مواقف جانبية في الشأن السينمائي، فهذا لا يفسر إلا بتعمد العرقلة ومحاولة إفشال مهرجان أصبحت له سمعته الدولية المتفردة.

وفوق ذلك كله، فإن الزج بالبيانات السياسية في دورة المهرجان ليس إلا محاولة للتشويش والنيل من مصداقيته أمام ضيوف يشهد لهم بإخلاصهم للشأن السينمائي وحده، وليس من مهامهم الدخول في جدالات بعيدة عن الفن السابع الذي جاؤوا يحتفون به في بلد يضرب به المثل في التعايش بين الأديان.

من يقف وراء إصرار بعض المشاركين في مهرجان مراكش على أن تقوم إدارة المهرجان بإصدار بيان عن الوضع في غزة؟ هل هذا مطلب من مطالب أطفال غزة أم أن وراء الأكمة ما وراءها كما يقال؟

لا شك أن دوافع “غير سينمائية” تقف خلف هذه المزايدات وتستهدف تعكير مسار المهرجان وإفساد المزاج العام كما يحدث في مباريات كرة القدم التي شاهدنا نماذج مؤسفة منها في الجارة الشرقية للمغرب، وكيف حضرت العصبيات السياسية وغابت الروح الرياضية والعلاقات التاريخية بين الشقيقين، علما أن المهرجان في إحدى دوراته منح الجائزة الأولى إلى فيلم “إن شاء الله يوم الأحد” للجزائرية يمينة بن قيقي، ودون اعتبار لأي حساسية سياسية.

يبدو أن أنفس ما يمكن أن ينجزه الفاشلون من فراخ الأنظمة العسكرية الفاسدة وغيرها، هو إفساد كل ما هو جميل عبر إقحام عقدهم السياسية، لكن مراكش السينمائي عصي على التسييس وعلى مثل هذه الأهداف غير السينمائية

كيف لضيف أن يملي شروطه على المضيف بل كيف يسمح لنفسه أن يرتب صالون الاستقبال ويوزع المقاعد والأولويات حسب مزاجه، دون أن يترك الخيار لإدارة المهرجان في الحديث عما يستجد من أحداث.

من غير المعقول المزايدة بغزة والغزيين وإلقاؤهم في براثن خلافات جانبية ومن ثم الادعاء بالقول إننا نقف إلى جانبهم ومخلصون لقضيتهم.

إدارة المهرجان فعلت ما يجب فعله إزاء مرارة ما يحدث في غزة وقررت إلغاء كافة مظاهر الاحتفالات، خصوصا استعراض النجوم على البساط الأحمر والعروض المجانية التي كان يقيمها المهرجان في ساحة جامع الفنا الشهيرة، وذلك تضامنا مع غزة، التي تتعرض لقصف إسرائيلي مكثف منذ أسابيع عدة.

وماذا بعد؟ كيف عليها أن ترضي هؤلاء المزايدين من المصطادين داخل المياه العكرة، وهل مهمة السينما تحرير الأراضي المحتلة أم تحرير الإنسان من جهله وخوفه ونزوعاته الإجرامية، ودفعه نحو حب الجمال والخيال والمغامرة بمتعة هائلة كما تفعل السينما.

يكفي أن رئيسة تحكيم المسابقة الرسمية للمهرجان، نجمة هوليوود الأميركية جيسيكا شاستين، الحائزة جائزة أوسكار، قد كفّت ووفّت بقولها إن “السينما يمكنها التأثير على السلوك من خلال تبديدها الحواجز أوّلاً وإطلاقها نقاشات مهمة في شأن مواضيع معقّدة كالعدالة بين الأعراق والمساواة بين الجنسين وغيرها من المسائل الثقافية المهمة”.

ويكفي أن يجتمع كل عباقرة السينما في العالم، وعلى رأسهم الأميركي مارتن سكورسيزي، على مرافقة مهرجان مراكش منذ بداياته، مما جعله يولد كبيرا، وبات يحق للعالم العربي الافتخار بتظاهرة من حجم “مراكش السينمائي”.

ولسائل أن يسأل: لماذا يدور في خلد بعضهم أن يجعلوا منه مهرجانا خطابيا لإصدار البيانات السياسية والتنافس في الخطب البلاغية، في حين أنه يحتفي بأنبل الفنون الإنسانية؟

يبدو أن أنفس ما يمكن أن ينجزه الفاشلون من فراخ الأنظمة العسكرية الفاسدة وغيرها، هو إفساد كل ما هو جميل عبر إقحام عقدهم السياسية، لكن مراكش السينمائي عصي على التسييس وعلى مثل هذه الأهداف غير السينمائية.

حكيم مرزوقي
كاتب تونسي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه