قيمة تَعْلُو ولا يُعْلَى عليها

بقلم الكاتب الهاشمي نويرة كانون1/ديسمبر 05, 2023 109

قيمة تَعْلُو ولا يُعْلَى عليها

الكاتب الهاشمي نويرة

أشارت إحصائيات قضائية و أرقام المعهد الوطني للإحصاء خلال يوم دراسي لوزارة الأسرة و المرأة التونسية حول “مؤسسة الزواج” في تونس وسبل دعمها وحمايتها إلى تفاقم نسب الطلاق وتراجع نسب الزواج ، وتداعيات ذلك على تماسك الأسرة التونسية .
وأكد رئيس جمعية أطفال الأسبوع الماضي، ارتفاع حالات الطلاق في تونس الى 35 ألف حالة سنويا، وفق احصائيات سنة 2022، مضيفا أنه يوجد ما بين 900 ألف ومليون طفل يعانون من التفكك الأسري .
وتشير احصائيات الأمم المتحدة ،اضافة إلى ذلك ، إلى أنّ معدّل نسبة الخصوبة في تونس تراجع في الفترة الفاصلة بين 2006 و 2010 إلى 1.93 ، فيما تشير إحصاءات الاستخبارات الأمريكية إلى 1.73 .
ومن المهمّ التذكير أنّ تونس في هذا المجال لا تمثّل إستثناء ، إذْ تفيد المؤشرات إلى أنّ إرتفاع نسبة الطلاق أضحى ظاهرة عالمية تشمل جلّ بلدان العالم ، فضلا عن تأخّر سنّ الزواج والتراجع الكبير في نسب الخصوبة خصوصا في دول شمال الكرة الأرضية ودول الغرب الليبرالي تحديدا.
ولأهمية هذا الموضوع، خصّصت وكالة الاستخبارات الأمريكية لذلك مجالا بحثيا هامّا وذلك لمراقبة نسق النموّ السكاني في العالم وتداعيات ذلك على استقرارها ، وهو ما مكّنها على مدى السنوات من ايجاد بعض الحلول المختلفة والمؤقتة لمجابهة التهرّم السكاني الأمريكي ، وذلك بتنظيم الهجرة النوعية وتنظيم اندماجها في المجتمع الأمريكي أو بالتشجيع على انجاب الأطفال رغم أنّ ذلك يصطدم بأولوية الحريات الفردية في المجتمع الغربي عموما .
وكذلك في أوروبا وكندا واليابان وفي دولنا العربية ، تمثل الاتجاهات السكانية تناقصًا حادًا في نسب الخصوبة وهو يدفعها إلى سلك سياسات ناجحة عند البعض وفاشلة بالمطلق عند البعض الآخر وخاصة في بعض الدول الأوروبية .
ووفقًا للأمم المتحدة، فإن ما يربو عن نصف النمو السكاني على كوكب الأرض من الآن وحتى عام 2050 سيكون متمركزا في إفريقيا جنوب الصحراء ولا يقابل ذلك للأسف نسب نموّ اقتصادي مماثل وهو ما قد يفسّر ظاهرة الهجرة غير المنظمة في جانب منها .
وفي المقابل فإنّ دولنا العربية والإسلامية تشهد في نموّها الديمغرافي اتجاها عكسيا ينبئ ببعض الخطر .
إنّ المسألة الديمغرافية هي أحد أهمّ محاور “حرب” المستقبل لأنّها تهمّ وجود واستمرار الأمم والشعوب من عدمه ، وهي لذلك محلّ اهتمام استراتيجي خاصّة في دول الغرب الليبرالي . إنّ الغرب الليبرالي ومعه المتشبّهين به يعيشون على أمل ايجاد توافق مستحيل بين قيمة الحرية ومقتضيات ضرورة ضمان شروط الوجود المستقبلي،وفي أغلب الحالات وحد هذا الغرب الليبرالي نفسه رهين نسق قيمي يغلّب منطق الحريات الفردية رغم أنّ ذلك يؤدّي على المدى المتوسّط والبعيد إلى القضاء على شروط التجدّد السكاني .
ويذهب بنا الرأي إلى أنّ الحلّ لا يكمن في الحلول المسكّنة والتعويضية وخصوصا تلك التي تمرّ عبر الهجرة الانتقائية والنوعية التي تحرم دول الجنوب الفقيرة من نخبها في مختلف القطاعات، نظرا لصعوبة الاندماج الكُلّي لهذه النخب في المجتمعات التي تستقبلها وحرمان دول منشأ الهجرة من أحد شروط التنمية المستقبلية، ولا يكمن الحلّ كذلك في الاستحضار المصطنع للقيم المحافظة التي شجّعت في جانب منها بروز تيارات اليمين المتطرف والفكر الشعبوي العقيم، إنّما يكمن الحلّ أوّلا ، في ضمان التنمية المستدامة لكلّ دول العالم دون تمييز بين الشمال والجنوب وثانيا وأساسا ، في فَهْمِ أنّ إستمرار وجود الإنسان على الأرض يربط بجعل هذا الهاجس هو المشترك بين البشرية جمعاء وأنّ هذه القيمة تعلو على باقي القيم حتّى وإن تعلّق الأمر بالحريات الأساسية المقدّسة ، إنّ ديمومة الإنسان قيمة تعلو ولا يُعْلى عليها .

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه