في ذكرى رحيل صياد الهموم

بقلم الكاتب طه جزاع كانون1/ديسمبر 05, 2023 65

في ذكرى رحيل صياد الهموم

الكاتب طه جزاع

تمر يوم غد الذكرى الخامسة لرحيل الشاعر الشعبي عريان السيد خلف” أبو خلدون” الذي ودع الدنيا الوداع الأخير يوم الخامس من كانون الأول / ديسمبر عام 2018 بعد رحلة عطاء شعري متألقة استمرت لأكثر من خمسين عاماً.
هو ايقونة الشعر الغنائي العراقي الأصيل، المرتبط بالأرض، والمعبر عن عذابات الإنسان، وعن أحزان العشاق ولهفتهم وظنونهم ومخاوفهم، هو شاعرُ الحزن العراقي المتوارَث الذي رضعه العراقيون منذ صغرهم مع حليب الأمهات الطيبات، وهكذا صار الحزن عنده قصائد من الشجن، ومن نشيج الروح، ونزيفها الذي لا يتوقف. ولأنه من جيل شعراء الستينيات والسبعينيات، فقد نشأ على حب القراءة مثل أقرانه من ذلك الجيل الذي ثقف نفسه بنفسه، حتى اكتنز بالثقافة العامة في مختلف حقول المعرفة سواء في الرواية أو الشعر، أو في حقول أخرى، كعلم نفس الطفل والطب والتشريح. وفي قصائده كان قريباً من الناس من دون افتعال، معبراً عن احاسيسهم بكل صدق وعفوية، وكانت صوره الشعرية تختزل بكلماتها الشعبية مختلف الحالات والأحاسيس من الحب والعشق والوله، إلى لحظات الحنين والذكريات والوداع للأحبة والأصحاب.
ولد الشاعر عريان السيد خلف على ضفاف نهر الغراف في قلعة سِكَر بمحافظة ذي قار عام 1940 وفيها قضى معظم أيام صباه وشبابه قبل أن تنتقل اسرته للسكن في العاصمة بغداد حيث الولادة الشعرية وبداية المشوار الابداعي الذي ارتقى به ليكون واحداً من كبار الشعراء الشعبيين في العراق، ومنذ ستينيات القرن الماضي بدأ صوته الشعري يصل إلى الناس، من خلال دواوينه الشعرية التي صدرت في السنوات اللاحقة، من ديوان الكمر والديرة، وكبل ليلة، وأوراق ومواسم، وشفاعات الوجد مع مظفر النواب وكاظم إسماعيل الكاطع، وصياد الهموم، والقيامة، وكان من الشعراء المساهمين في المجموعة الشعرية “ الوطن والناس” التي أصدرها الحزب الشيوعي العراقي عام 1973، حتى آخر دواوينه “ تل الورد”. ومنذ ظهوره في برنامج المواهب الشابة عام 1967 كان قريباً من هموم الناس والوطن، بحكم نشأته الريفية في ريف مدينة الناصرية التي شهدت محاولاته الأولى في كتابة الشعر، وبقي مخلصاً لنزعته اليسارية وهو في قمة نضوجه الأدبي في سنوات الثمانينيات والتسعينيات التي كتب خلالها أهم قصائده، قريباً من الفلاحين حيث جذوره، ومن العمال لاشتغاله عاملاً في معمل لإنتاج المشروبات الغازية في بداية مشواره البغدادي، وفي هذا المعمل أحس بمعاناة الطبقة العاملة وهمومها وتطلعاتها .
رحل أبو خلدون عن عمر ناهز الثامنة والسبعين عاماً، وفي ثنايا روحه المتوهجة فيض من الأحزان، وجبال من الهموم، وبحار من الدموع والتنهدات، فقد قضى أكثر سنوات عمره، عاشقاً هائماً، وشاعراً متحسساً لأوجاع العاشقين الفقراء، قريباً من الناس ومعاناتهم وتطلعاتهم، وصياداً للهموم التي تراكمت في سماواتهم، مثل غيوم الخريف الثقيلة. رحل ومازالت فيه أشياء وأشياء من جذوة الحياة، والشعر، والأحاسيس المرهفة، والمشاعر المتدفقة، وجمال الروح، وعذوبة الكلمات.

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه