تونس - فرنسا.. علاقة جيدة شرط شراكة عادلة

بقلم حكيم مرزوقي كانون2/يناير 13, 2024 153

تونس - فرنسا.. علاقة جيدة شرط شراكة عادلة


قليل من التركيز والجدية والتعقل كفيل بأن يجعل مطالب تونس مشروعة وعادلة في إطار شراكة مدروسة لا تظلم فيها حقوق تونس التي نهب الاستعمار ثرواتها طيلة عقود من الزمن.

النوايا الفرنسية طيبة، ولكن من يضمن تنفيذها
التونسيون معنيون بكل التشريعات والنظم والقوانين الفرنسية الجديدة التي تخص إقامة الأجانب على أراضيها، يناقشونها ويتناقلونها في إعلامهم ومقاهيهم بنفس الحدة التي يتناولون فيها القضايا الساخنة في بلادهم، بل هي قضية ساخنة وتخص بلادهم.

ولهذا مثل القانون الفرنسي الجديد المتعلق بالهجرة واسترجاع الأموال المنهوبة بالخارج أهم محاور اللقاء الذي جمع وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج نبيل عمّار، يوم الجمعة الماضي بمقر الوزارة، بسفيرة الجمهورية الفرنسية لدى تونس آن غيغان، بطلب منها.

“بطلب منها”، هي العبارة التي شدد عليها بيان وزارة الخارجية التونسية وما ينفك يذكرها ويرددها نظرا لحساسية العلاقة مع مستعمر الأمس الذي جثم عقودا طويلة على صدور التونسيين، وصديق اليوم الذي يستقبل النسبة الأكبر من التونسيين في الخارج من عمال وطلبة وخبرات وكفاءات، وكذلك مبادلات تجارية ومعاملات مالية.

◙ تونس، بدورها لها مطالبها وشروطها وقدرتها على الضغط من خلال جملة مطالب تتصدرها قضية استرداد الأموال المنهوبة، وهي في أمس الحاجة إليها في ضوء أزمتها الاقتصادية الخانقة

هذه العلاقة لا تزال اليوم محل ريبة وجدل في ظل تنامي الأصوات المطالبة بالندية السياسية والدبلوماسية، وتزايد التراشق باتهامات تتعلق بالولاءات والفساد وتهريب الأموال.

وكان من الطبيعي أن يتصدر الجلسة التي جمعت رئيس الدبلوماسية التونسية بالسفيرة الفرنسية موضوع القانون الجديد المتعلّق بالهجرة الذي اعتمده البرلمان الفرنسي، مُؤخّرا، وتأثيره المُحتمل على الجالية التونسية المقيمة بفرنسا.

يذكر أن قانون الهجرة الجديد الذي اعتمد رسميا في فرنسا بداية العام الجديد، قد أثار جدلا واسعا من حيث تشديد الخناق على الأجانب المقيمين في فرنسا ومن بينهم مئات الآلاف من التونسيين، وأدانته هيئات أكاديمية ومنظمات إنسانية وحقوقية ويسارية عديدة معتبرة إياه “الأكثر رجعية منذ 40 عاما”.

ويجعل القانون الجديد من الصعب على المهاجرين المقيمين في فرنسا إحضار أفراد عائلاتهم إلى البلاد ويؤخر حصولهم على مزايا الرعاية الاجتماعية.

وفي ظل هذا التشديد القانوني على الأجانب المقيمين في فرنسا، يسأل مراقبون ومحللون عما يمكن لتونس “أن تغنمه” من فرص وامتيازات تصب لصالح مواطنيها في هذه الظروف الصعبة على الأصعدة المحلية والإقليمية والدولية، خصوصا أن الحكومة تقر بأن الحلول التي يمكن اجتراحها في خضم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، ينبغي أن تحصل مع شركاء من الضفة الشمالية للمتوسط الذي لا نكتفي بحراسة حدوده الجنوبية كما تريد الدول الأوروبية.

النوايا الفرنسية، من جهتها، تبدو واضحة، ولكن من يضمن تصديقها وتنفيذها؟ فهذه السفيرة الفرنسية تعبر عن استعداد بلادها الكامل لمواصلة تطوير علاقات التعاون مع تونس في كافة المجالات وخاصة منها الاقتصادية والعمل على مجابهة التحدّيات الماثلة أمام الجميع في إطار شراكة متكافئة، مؤكدة ارتياح الشركات الفرنسية المقيمة بتونس لمناخ الأعمال فيها.

أما تفعيل الاتفاقيات الثنائية بين البلدين فيلزمه الكثير من الجدية والمثابرة، خصوصا وأن العلاقة بين تونس وفرنسا قد عرفت في السنوات الأخيرة بعض الفتور تخلله احتجاج تونس عما أسمته بالتدخل في شؤونها الداخلية تحت ذرائع حقوقية، وكذلك عندما أطلق قنصل فرنسا في تونس دومينيك ماس تصريحات قال فيها إن بلاده أصدرت طلبات لترحيل 10 آلاف تونسي وذلك تزامنا مع صعوبات واجهت التونسيين الطامحين للحصول على تأشيرات لدخول فرنسا.

وفي هذا الإطار، تحدث وزير خارجية تونس نبيل عمار، إثر لقائه مع السفيرة الفرنسية عن أهمية ضمان سهولة وسرعة عملية إصدار التأشيرات من قبل مصالح سفارة فرنسا لدى تونس، إلا أن عملية انتقال التونسيين إلى فرنسا لا ينبغي أن تكون غاية في حد ذاتها بل يتوجب ضبطها وتنظيمها وفق مصالح وأولويات يستفيد منها مستحقوها من الطلبة واليد العاملة، وحتى أصحاب الكفاءات دون أن يضر ذلك بالبلاد ويكون سببا في إفقارها.

◙ العلاقة بين تونس وفرنسا لا تزال اليوم محل ريبة وجدل في ظل تنامي الأصوات المطالبة بالندية السياسية والدبلوماسية، وتزايد التراشق باتهامات تتعلق بالولاءات والفساد وتهريب الأموال

ويسأل مهتمون بالشأن التونسي: ما الذي يمنع من بحث صيغة تعاون لانتقال اليد العاملة التونسية، سواء من أصحاب الشهادات أو من المهنيين والحرفيين؟ وكيف يمكن للبلاد أن تستفيد من بعض الهوامش في قانون الهجرة الجديد في فرنسا رغم التضييق الحاصل في نصوصه لصالح اليمين المتطرف؟

نعم، يمكن ذلك عبر اتفاقيات ثنائية تأخذ اليد العاملة بالاعتبار دون أن تهمل الخبرات وأصحاب الكفاءات شرط أن لا يتسبب ذلك في خسارة الدولة لأبنائها الذين تكفلت بتدريسهم ثم تركوا مؤسساتها وغادروا لتستفيد من خبراتهم دول أخرى.

المعضلة مطروحة وبجدية على طاولة المحادثات بين تونس وباريس، إذ يقيم أكثر من مليون و800 ألف مهاجر تونسي خارج البلاد، أغلبهم في دول الاتحاد الأوروبي، وفي مقدمتهم فرنسا، حيث يقيم هناك الآلاف في وضعيات غير قانونية. وتجري بالفعل عمليات ترحيل منظمة لتونسيين من فرنسا ودول أوروبية أخرى، من بينها أساسا إيطاليا وألمانيا، وهو ما أثار مخاوف عدد من السياسيين التونسيين، الذين قالوا إن ترحيل آلاف التونسيين إلى بلدهم الأم سيسبب للحكومة مشاكل هي في غنى عنها، خاصة أنها تجد نفسها اليوم عاجزة عن إيجاد وظائف لآلاف العاطلين عن العمل.

تونس، بدورها لها مطالبها وشروطها وقدرتها على الضغط من خلال جملة مطالب تتصدرها قضية استرداد الأموال المنهوبة، وهي في أمس الحاجة إليها في ضوء أزمتها الاقتصادية الخانقة.

قليل من التركيز والجدية والتعقل كفيل بأن يجعل مطالب تونس مشروعة وعادلة في إطار شراكة مدروسة لا تظلم فيها حقوق تونس التي نهب الاستعمار ثرواتها طيلة عقود من الزمن ثم استمرت فرنسا في الاستفادة من طاقات مهاجريها ضمن قانون جائر.

حكيم مرزوقي
كاتب تونسي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه