أكثر من هجوم سياسي وإعلامي على الإمارات

بقلم د. هيثم الزبيدي شباط/فبراير 12, 2024 45

أكثر من هجوم سياسي وإعلامي على الإمارات


أن يكتب قرقاش مرتين خلال أسبوع عن الهجمة التي تتعرض لها بلاده فذلك دليل على أن الإمارات تلتفت إلى الذين يحاولون النيل منها، ولكن قد تختار ألّا ترد عليهم.

أن ترد الإمارات أو لا ترد.. المسيرة مستمرة
أضاف هجوم القراصنة السيبرانيين على المنظومات المعلوماتية الإماراتية بعدا جديدا إلى الحملة التي تتعرض لها الإمارات. حاول القراصنة اختراق خدمات البث التدفقي، وتمرير مشاهد ورسائل أعدت باحترافية كبيرة، باستخدام الذكاء الاصطناعي وما يسمى بالتزييف العميق. تقول شركة مايكروسوفت التي حللت محاولة الاختراق إن المصدر هو إيران، وإن مجموعة متخصصة في هذا النوع من القرصنة تنتمي إلى الحرس الثوري الإيراني هي التي تقف وراء المحاولة. مجلس الأمن السيبراني لحكومة الإمارات أعلن عن التصدي للمحاولة، التي يبدو أنها لم تكن محصورة بالبث التدفقي، ودعا جميع المؤسسات الحكومية والخاصة والأفراد إلى أخذ الحيطة والحذر لتفادي التأثر بالهجمات السيبرانية المحتملة. هذا يعني أن الإمارات تتوقع المزيد من هذه الهجمات.

ثمة دلالات مهمة لهذا الهجوم. أولاها، ولعلها الأهم، أن الخط الفاصل بين المسعى الإخواني والنشاط الإيراني قد أزيل. على مدى سنوات طويلة حاول الإخوان الإيحاء بأنهم ليسوا جزءا من المشروع السياسي الإيراني، وأنهم إسلام سياسي سني، بينما الخمينية هي مشروع سياسي شيعي. المرجعيات الإخوانية تعددت، بين قيادية دعوية وحركية مصرية، وتمويل وتوجيه قطريّيْن، ومشروع استعادي إمبراطوري -إذا جاز التعبير- يقوده الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. قدم الإخوان علاقتهم مع إيران على أنها قوة تدعم حماس بالسلاح والتنظيم وأن من يوالونها داخل الحركة هم عدد قليل، أعضاء هامشيون في مكتبها السياسي. ومع تراجع المد الإخواني في المنطقة، بدءا من لحظة التغيير المهمة في مصر وانتهاءً بحكم الرئيس الراحل محمد مرسي، ثم مصالحة قطر مع مصر والسعودية والإمارات، وأخيرا تضعضع أركان المشروع التركي داخليا وإقليميا، تحرك الهامشيون في حماس ليصبحوا في قلب الحركة. ليس من قبيل المصادفة أن يقيم صالح العاروري نائب رئيس المكتب السياسي لحماس في الضاحية الجنوبية لبيروت، أي في قلعة حزب الله السياسية والأمنية. اغتيال العاروري كان من أهم الرسائل التي تبادلتها إسرائيل مع الإيرانيين: حماس اليوم مشروع إيراني وعملية “طوفان الأقصى” ما كانت لتتم من دون الدعم والمباركة الإيرانيّيْن.

◙ التعامل مع عدو بمشروع أيديولوجي طويل النفس هو مشروع الإسلام السياسي السني – الشيعي الموحد، يقتضي الكثير من التوقي والحذر

الإخوان ماكنة دعاية كبيرة، وليس سرا أن الإمارات هي هدفهم الأول. لم تتوقف محاولات النيل من التجربة الإماراتية يوما عبر توجيه مختلف التهم. وبدخول الإمارات على خط الأزمة في اليمن وإخراجها الحوثي من جنوب اليمن من دون تسليم المنطقة إلى سلطة حركة الإصلاح الإخوانية، صار التحالف بين الإخوان وإيران مسألة محسومة. صحيح أن هدوء المواجهات السياسية مع قطر وتركيا من جهة، و”تصفير المشاكل” مع إيران من جهة ثانية، قد أوْحيا بأن الأمور تسير إلى انفراجات بينية وإقليمية، لكن الإخوان وإيران مشروعان أيديولوجيان متشابهان بهدف واحد، بل ومشتركان اليوم، للسيطرة على المنطقة. الهدنة مع قطر أو تركيا أو إيران لا تعني أن مشروع الإسلام السياسي السني ونظيره الشيعي آيلان إلى الزوال.

يدرك الإخوان، وإلى حد كبير إيران، أن عملية “طوفان الأقصى” تحولت إلى ورطة كارثية يدفع ثمنها الفلسطينيون، وخصوصا أهل غزة. لم يحدث في تاريخ الصراع العربي – الإسرائيلي أن فتكت آلة الحرب الإسرائيلية بمدينة وسكانها كما يحدث الآن في غزة. ثمة جرائم إسرائيلية بحق المدنيين ترتكب على مدار الساعة في غزة. وكلما زادت ورطة حماس/إيران (وورطة إسرائيل معهما) زاد البحث عن شماعات تعلق عليها التبريرات للهروب من المسؤولية. لهذا يقوم الإخوان والإيرانيون بمناوشة السعودية “على الخفيف”، لكن هجمة النيل من سمعة الإمارات وصلت الآن إلى مستوى غير مسبوق خلال نصف قرن من تاريخ دولة الإمارات، على حد وصف الكاتب والباحث الإماراتي الدكتور عبدالخالق عبدالله.

الإماراتيون إذًا يدركون حجم الهجمة السياسية والإعلامية، والآن السيبرانية، عليهم. ويترافق تكثيف الهجمة مع انسحاب إماراتي شبه كامل من المشهد الإعلامي العربي. يعتقد الإماراتيون أن أفضل طريقة لمواجهة هذه الهجمة هي إهمالها. فخلال أقل من أسبوع في أواخر يناير المنصرم ومطلع فبراير الجاري، غرد الدبلوماسي الإماراتي المخضرم ومستشار رئيس الدولة للشؤون السياسية أنور قرقاش، بأن الإمارات تسير في تجربتها ولا تلتفت إلى الذين يحاولون النيل من هذه التجربة. لكن أن يكتب قرقاش مرتين خلال أسبوع عن الهجمة التي تتعرض لها بلاده فذلك دليل على أن الإمارات تلتفت إلى الذين يحاولون النيل منها، ولكن قد تختار ألّا ترد عليهم. ثمة فرق كبير بين الموقفين.

◙ الإخوان ماكنة دعاية كبيرة، وليس سرا أن الإمارات هي هدفهم الأول. لم تتوقف محاولات النيل من التجربة الإماراتية يوما عبر توجيه مختلف التهم

ما يزيد من خطورة المشهد هو انخراط أطراف، كانت إلى وقت قريب حليفة أو محايدة، في مسعى استهداف الإمارات. البرود في العلاقة بين أبوظبي والرياض فسره مغردون سعوديون بأنه مقدمة لمواجهة قادمة، فبدأوا باستهداف الإمارات. إعلاميون عمانيون مقربون من السلطة يحاولون تشويه سمعة الإمارات، بمفردات تتجاوز لغة الإعلام. الإعلام الجزائري هاج على الإمارات باتهامات من كل نوع. ولم تنحصر الحملة في منطقة الخليج والعالم العربي، بل أثيرت قضايا في الغرب لا علاقة لها بأزمات الشرق الأوسط التقليدية وحرب غزة الجارية. قضايا لا يمكن تفسيرها إلا بأن حدوثها بشكل متزامن وأحيانا شبه متزامن ليس بريئا. الإمارات، الدولة المعروفة بتنويع استثماراتها عالميا على مدى عقود، صار مشكوكا في الدوافع التي حدت بها إلى الاستثمار في الصحافة البريطانية أو شبكة اتصالات فودافون أو معالجات الذكاء الاصطناعي السريعة.

أن تختار الإمارات الرد أو عدم الرد، فهذا شأنها. وكما أشار قرقاش، فإن المسيرة مستمرة. لبّ الفكرة هو أنه من الأفضل ترك دوائر الإخوان المتحالفة مع إيران تقول ما تشاء، من دون الرد عليها أو مواجهتها. خيار النأي بالنفس عن هذه المواجهات يقوم على أنهم سيكتفون باستهداف الإمارات من الخارج. لكن إذا كان ثمة رسالة يحملها هجوم القراصنة السيبرانيين الإيرانيين على منظومة البث التلفزيوني التدفقي في الإمارات، ومحاولة اختراق المنظومات المعلوماتية الأخرى، فهي أن محور إيران – الإخوان لن يكتفي بالضرب من بعيد، بل سيستمر في المحاولة من أجل اختراق الجبهة الإماراتية الداخلية. هذه المرة، لم يأت الاختراق بالحديث عن موقف الإمارات من التنظيمات الإخوانية أو السياسة الإيرانية كما جرت العادة خلال السنوات الماضية، بل باستخدام قضية الحرب في غزة، وهي قضية تمس وجدان الإماراتيين والعرب والمسلمين والعالم أجمع. لا شك في متانة الجبهة الإماراتية الداخلية التي صمدت في اختبارات عديدة. لكن التعامل مع عدو بمشروع أيديولوجي طويل النفس هو مشروع الإسلام السياسي السني – الشيعي الموحد، يقتضي الكثير من التوقي والحذر. وسواء أكانوا دعاة أم ميليشيات أم قراصنة معلوماتيين، فكلهم أوجه لخطر واحد.

د. هيثم الزبيدي
كاتب‭ ‬من‭ ‬العراق‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬لندن

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه