منطق "الموظف" في معالجة الهجرة السرية

بقلم صابر بليدي شباط/فبراير 13, 2024 49

منطق "الموظف" في معالجة الهجرة السرية


من ليبيا إلى موريتانيا أُبرمت اتفاقيات للحد من ظاهرة "الحرقة" لكن غياب التنسيق بين الحكومات جعلها تتحرك في ثوب موظف لدى الاتحاد الأوروبي ليفرض شروطه على كل منها منفردا.

عدد الضحايا لا يهم
في ظل غياب أيّ شكل من أشكال التعاون والتنسيق تحت أي غطاء كان بين دول جنوب المتوسط، تواصل دول المجموعة الأوروبية الاستفراد بكل دولة على حدة من أجل التوصل إلى مقاربة أمنية تحد من ظاهرة الهجرة السرية التي باتت تهدد شمال المتوسط، وهو الأمر الذي ينتهي دوما إلى فقدان المزيد من هامش المناورة لدى هؤلاء في التفاوض حول الملف.

من ليبيا إلى غاية موريتانيا مرورا بتونس والجزائر والمغرب، تتفاقم ظاهرة الهجرة السرية ويزداد عبئها على كاهل الحكومات، فينظر إليها بعين المقصر في توفير الحماية لدول شمال البحر المتوسط، والحارس الفاشل في وقف جحافل “الحراقة” التي تقصد السواحل الأوروبية.

رغم ذلك لا زالت المنطقة تعد من أضعف مناطق القارة والمنطقة عموما في مجالات التكامل والتعاون، بسبب الخلافات السياسية والأزمات التي تعصف ببعض الدول، لذلك يتأخر الموقف الموحد وحتى التعاون في مجال الهجرة السرية، رغم رد الفعل الأناني لجيران الشمال، وسعيهم الدائم للحفاظ على أمنهم والتمسك بأن يؤدي جيرانهم في الجنوب دور الدركي.

◙ ما ستضخه روما للجزائر من أجل الحد من ظاهرة الهجرة السرية، الأمر الذي يكرّس منطق الوظيفة في علاقة الأوروبيين بشكل عام مع دول الضفة الجنوبية

ظاهرة الهجرة السرية التي استفادت من تدهور الأوضاع الأمنية والسياسية في ليبيا، تحولت في تونس منذ عدة أشهر إلى سجال سياسي وحقوقي، بينما يجري التعامل معها في الجزائر وفق مقاربة أمنية بثوب إنساني، في حين وظّفها المغرب كورقة ضغط أثناء خلافه مع إسبانيا.

وفي الضفة المقابلة لا هم لهم إلا وقف الزحف الأفريقي، بينما يجري تأطير الهجرة وانتقاء المهاجرين من أفريقيا، لامتصاص تلك المجتمعات من قدراتها وعباقرتها والاستفادة منهم في مؤسساتهم وجامعاتهم، بينما تتهاوى إنسانية الغرب أمام الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي تدفع بهؤلاء إلى المغامرة في البحر، فيأكلهم السمك أو تستقبلهم المراكز والسجون.

كما يتحدث الشهود عن مقابر جماعية في عمق الصحراء، وتوقف مغامرة الحلم تحت أشعة شمس حارقة وحبات رمل جافة، فإن حوض المتوسط هو مقبرة مفتوحة لاستقبال المزيد من الجثث، ومسرح لعرض سرديات تراجيدية عن شراء الموت بـ”تحويشة” العمر ومواجهته، وفي ثناياه تفقد الإنسانية معانيها وقيمها، في ظل غياب مقاربة متكاملة بين جميع الأطراف بداية من دول المنبع إلى دول المصب ومرورا بدول العبور.

في كل زيارة وفي كل لقاء بين دول الضفتين تطرح مسألة الهجرة السرية، وفق مصالح ونوايا يلفها شمالا منطق البراغماتية والموقف الموحد، وتطغى عليها الفردانية والموقف الضعيف جنوبا، ولذلك اهتدت أوروبا إلى الاستفراد بكل دولة وبكل حكومة على حدة لإرساء تسوية تحمي مصالح الأوروبيين وتفاقم الوضع لدى الآخرين.

◙ ظاهرة الهجرة السرية التي استفادت من تدهور الأوضاع الأمنية والسياسية في ليبيا، تحولت في تونس منذ عدة أشهر إلى سجال سياسي وحقوقي

في هذا الشأن يؤدي وفد أوروبي زيارة إلى نواكشوط يضم رئيس حكومة إسبانيا، بيدرو سانشيز، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ويخيم على مشاورات الطرفين التعاون والتنسيق بين موريتانيا وإسبانيا والاتحاد الأوروبي عموما، في مجال الهجرة غير النظامية والميادين الأمنية.

وينتظر أن يوقّع الطرفان اتفاقيات يضخ بموجبها الأوروبيون دعما سنويا بمبلغ 200 مليون يورو مقابل جهودها في مكافحة الهجرة السرية، بدلا من مبلغ 15 مليون يورو المخصصة لذلك حاليا، وهو مبلغ يبدو مغريا، لكنه لا يتعدى حدود جهد المؤسسات والوسائل اللازمة لذلك.

وفي الجزائر أيضا، تم التوقيع مع الإيطاليين على اتفاقية أمنية جديدة شاملة، تتضمن التعاون في التصدي للهجرة غير النظامية، إلى جانب مكافحة الإرهاب والجريمة الإلكترونية والاتجار بالبشر، وذلك بمناسبة الزيارة التي أداها وزير الداخلية ماتيو بيانتيدوزي.

وتحدثت وزارة الداخلية الجزائرية على أن “البلدين وقّعا اتفاقية أمنية جديدة، تسمح بمراجعة شاملة للاتفاقية السارية منذ 1999 (تتناول في المجمل مكافحة الهجرة غير النظامية)، وترتكز على التنسيق والتعاون الأمني المشترك، ومكافحة الإرهاب والاتجار بالمخدّرات، والمؤثرات العقلية والجريمة الإلكترونية والهجرة غير النظامية، ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر والجرائم الاقتصادية”.

◙ من ليبيا إلى غاية موريتانيا مرورا بتونس والجزائر والمغرب، تتفاقم ظاهرة الهجرة السرية ويزداد عبئها على كاهل الحكومات، فينظر إليها بعين المقصر في توفير الحماية لدول شمال البحر المتوسط

وزير الداخلية الجزائري إبراهيم مراد قال “الاتفاقية ستؤدي إلى تكثيف التنسيق العملياتي بين جهازي الأمن الوطني والحماية المدنية للبلدين، وأن هناك توافقا في الرؤى والتعاون الوثيق والمتميز مع إيطاليا في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية، وقد تم تسجيل صفر مهاجر غير نظامي انطلاقا من الجزائر نحو إيطاليا، وهذا بفضل التعاون المثمر وجهود مصالح الأمن والجيش الجزائريين”.

وما عدا ذلك لم يتسرّب أيّ شيء عن غلاف التعاون، أو ما ستضخه روما للجزائر من أجل الحد من ظاهرة الهجرة السرية، الأمر الذي يكرّس منطق الوظيفة في علاقة الأوروبيين بشكل عام مع دول الضفة الجنوبية، فبدل الجلوس لبلورة مقاربة مشتركة تبحث في الأسباب الحقيقية للظاهرة والعمل على معالجتها في المصدر، يجري في كل مرة إلزام الطرف الآخر بمهمة معينة مقابل مكافأة مالية.

من ليبيا إلى غاية موريتانيا، أُبرمت الكثير من الاتفاقيات للحد من الظاهرة، بينما الأصل أن تكون اتفاقية واحدة يتم تعديلها دوريا حسب الظروف والتطورات، لكن غياب كل أشكال التنسيق والتعاون بين حكومات المنطقة جعلتها تتحرك في ثوب الموظف لدى رب عمل كبير هو الاتحاد الأوروبي، فيفرض شروطه ومنطقه على المنفردين.

قد تعتقد هذه الحكومة أو تلك، أنها توصلت إلى تحقيق مكاسب في هذا المجال مع الطرف الأوروبي، لكن جنوب الصحراء والساحل يبقى حاضنة تفرّخ المزيد من أعداد الحراقة، لأن نفس الأسباب الاقتصادية والاجتماعية قائمة، ولذلك فهي بمرور الوقت تجد نفسها في مواجهة إنسانية وحقوقية مع هؤلاء في سبيل عيون الأوروبيين.

صابر بليدي
صحافي جزائري

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه