مؤامرة عشرين فبراير: نهاية السير

بقلم البراق شادي عبدالسلام شباط/فبراير 22, 2024 92

مؤامرة عشرين فبراير: نهاية السير


"عشرين فبراير" هو يوم اللاحدث الذي حاولت فيه بعض الدوائر الدولية استهداف استقرار وأمن المغرب وجعل هذا اليوم ساعة الصفر لإطلاق انتفاضة شعبية وإشعال نار الفتنة في بلد آمن أمين.

فهم دقيق وعميق لطبيعة المرحلة
عملية تجديد الشرعية السياسية أمام الشارع بتبني خطاب أيديولوجي أكثر راديكالية، هي خطة تلتجئ إليها التنظيمات السياسية الفاقدة للشرعية كتكتيك مرحلي من أجل ابتزاز الدولة ومحاولة إخضاعها سياسيا، وحركة عشرين فبراير كانت هي حصان طروادة الذي استخدمته الدوائر الدولية وبعض التنظيمات السياسية داخليا، مستغلة ضبابية الرؤية لدى شباب الحركة وطفولية قادتها وسذاجتهم أمام المخطط الشيطاني الذي تم استخدامهم ضمنه كأدوات ومعاول لهدم الدولة ومحاولة إسقاط النظام وتدمير المجتمع وإغراقه في حروب أهلية وعمليات إرهابية وتهجير قسري ومجاعات وصراعات طائفية كما حدث في دول مجاورة.

مشكلة شباب حركة 20 فبراير ومنظّريهم أنهم أعجبوا بتاريخ الثورة البلشفية والصراع بين التيار البلانكي وأفكار روزا لوكسمبورغ وأسباب سقوط كومونة باريس والثورة البوليفارية وامتداداتها اللاتينية، وتم تجاهل التاريخ المجيد للشعب المغربي عبر العصور، وتم تجاوز حقيقة تاريخية لا يمكن بأي منطق تجاوزها وهي أن الدولة العلوية قادت نضال الشعب المغربي عبر قرون في مواجهة الحروب والاحتلال وقنبلة الموانئ ومواجهة الاستعمار والتقسيم الإمبريالي والحماية الغاشمة والحصار والأوبئة والمجاعات والقحط والجفاف والانقلابات والهزات الاجتماعية والمؤامرات من الداخل والخارج وحروب الوكالة والحروب الاستخباراتية المقيتة التي كانت ولازالت تستهدف المملكة.

◙ لا أحد يجادل اليوم في أن المغرب مستهدف من أكثر من طرف إقليمي ودولي بسبب النجاحات السياسية والدبلوماسية والاجتماعية والاقتصادية التي يحققها على أكثر من صعيد

وعليه فعشرين فبراير أصبحت جزءا من التاريخ المنسي للمغرب، هو يوم عادي لا يثير اهتمام المغاربة ولا مكان له في المخيال التاريخي الجمعي الشعبي. فالمواطن المغربي العادي في مقهى شعبي قد يحدثك عن عام البون (الحرب العالمية الثانية) ودخول الفرنسيس (الحماية) ونفي بنيوسف (ثورة الملك والشعب) وعودة بنيوسف (الاستقلال) وعام المسيرة (المسيرة الخضراء) وتأهل المنتخب المغربي مكسيكو 86 ونصف نهائي كأس العالم 2022، ولكن لن يتذكر أحداث 1965 أو أحداث 81 و84 أو ذكرى مؤامرة 20 فبراير لأنها أحداث جانبية وقطاعية لم يكن لها أثر كبير في تاريخ المغرب أو الوجدان الشعبي المغربي.

العشرون من فبراير هو يوم اللاحدث الذي حاولت فيه بعض الدوائر الدولية استهداف استقرار وأمن المغرب وجعل هذا اليوم ساعة الصفر لإطلاق انتفاضة شعبية وإشعال نار الفتنة في بلدنا الآمن الأمين، وذلك باستغلال مقيت لآمال الشعب المغربي في العيش الكريم والحرية ومحاربة الفساد، عن طريق نشر الفوضى والدمار وتحقيق الطموحات الشخصية الممزوجة بأحلام ثورية وبشعارات منحولة من زمن النضال الحقيقي المبني على روح الانتماء للوطن أولا وأخيرا.

واهم من يظن أن مؤامرة عشرين فبراير هي امتداد لنضالات الشعب المغربي عبر العصور من أجل الحرية والكرامة واستقلالية القرار الوطني والسيادة الكاملة على الأرض، بل هذه المؤامرة كانت امتدادا طبيعيا لمسار تاريخي طويل عاشه الشعب المغربي منذ آلاف السنين في مواجهة المؤامرات الخارجية والفتن الداخلية التي استهدفت استقلاله وسيادته وإضعاف الموقف الداخلي تمهيدا للتدخلات الأجنبية، العشرون من فبراير كان مؤامرة انخرطت فيها العديد من القوى الحية داخل المجتمع بوعي أو دون وعي بحقيقتها وبحدود مطالبها وبصدقية أهدافها ومدى توافق هذه الأهداف مع المصلحة العليا للوطن.

ورغم إدراك الدولة ومؤسساتها مبكرا لطبيعة الأهداف التخريبية وبالأبعاد الدولية والإقليمية لهذه المؤامرة، فقد فضلت التعامل مع الاحتجاجات العفوية للمواطنين المغاربة بالكثير من العقلانية والمنطق في مواجهة مخططات ومؤامرات استخدمت الكذب البواح والتضليل المكشوف ونشر الأباطيل والأخبار الزائفة كوسيلة وحيدة لتحقيق أهدافها وتنزيل مخططاتها.

◙ العشرون من فبراير أصبحت جزءا من التاريخ المنسي للمغرب، هو يوم عادي لا يثير اهتمام المغاربة ولا مكان له في المخيال التاريخي الجمعي الشعبي

فتجربة الدولة المغربية في إدارة دفة الرياح العاتية للخريف العربي بشكل يضمن الاستقرار الإقليمي والأمن البشري للأمة المغربية بأبعاده المتعددة هي تجربة فريدة من نوعها، سيقف التاريخ الإنساني طويلا أمامها كمرجع سياسي وأكاديمي رصين في تجنب مؤامرات الخراب والدمار التي استهدفت دولا وشعوبا قريبة لنا. هذا الخريف العربي الذي انتهى بتقسيم الدول والحروب الأهلية والانقلابات وملايين اللاجئين لم يجد له ولن يجد موقع قدم في أرض المغرب، وظل زبائنه البؤساء في التنظيمات اللاشعبية / اللاديمقراطية / اللاوطنية من متلاشيات حركة 20 فبراير وبقايا اليسار العاجز ومريدي الجماعة المحظورة ومداويخ الحزب المنكوب في عزلة شعبية مستمرة لأكثر من عشر سنوات؛ الخريف العربي اعتمد لتحقيق أهدافه على تنظيمات كلاسيكية غارقة في خطاب أيديولوجي مأزوم وبمرجعيات فكرية متجاوزة وتكتيكات نضالية بليدة وأهداف إستراتيجية غبية، فلم تستطع تقديم إجابات حقيقية لإشكالات الشعب المغربي، وظلت طموحاتها النضالية تتعارض مع طموحات الشعب المغربي في الكرامة والعيش الكريم، وهو ما أكد عليه العاهل المغربي الملك محمد السادس في خطاب القمة المغربية – الخليجية بالرياض سنة 2016 قائلا “بعدما تم تقديمه كربيع عربي، خلف خرابا ودمارا ومآسي إنسانية، ها نحن اليوم نعيش خريفا كارثيا، يستهدف وضع اليد على خيرات باقي البلدان العربية، ومحاولة ضرب التجارب الناجحة لدول أخرى كالمغرب”.

في الجانب المقابل، نجد الدولة المغربية ومؤسساتها قد جددت خطابها فعلا وقولا في ظل تعاقد سياسي جديد مرتكز على هدف وحيد هو تحقيق طموحات المشروع المجتمعي الحداثي الديمقراطي وبعده النموذج التنموي الجديد برؤية واضحة وبخطوات إستراتيجية واثقة والتزام سياسي راسخ ومسؤولية تاريخية، فالاستثناء المغربي أثناء موجة الخريف العربي تحقق بفضل قوة الدولة المغربية وبالتفاف الشعب المغربي حول مقدساته الوطنية واعتزازه بعمل مؤسساته السيادية ثم باستجابة ملكية مسؤولة للمطالب المعقولة للشارع المغربي ترسخ لمفهوم الملكية المواطنة جسدها خطاب 9 مارس 2011.

الفهم الدقيق والعميق لطبيعة المرحلة آنذاك وحسن استخدام آليات الاستجابة لتفكيك المؤامرات التي استهدفت استقرار وأمن ووحدة الوطن استطاعا أن يجنبا المغرب سيناريوهات جد خطيرة وضعت من طرف دوائر دولية اعتمادا على ميكانيزمات الجيل الرابع للحروب التي بدأت أولا في مؤامرة أكديم إزيك باستخدام الطابور الخامس وبتواطؤ مع بوليساريو الداخل ثم امتدت إلى ساعة الصفر يوم 20 فبراير 2011.

الدرس الوحيد المستفاد من مؤامرة عشرين فبراير التي كانت تستهدف استقرار وأمن المملكة المغربية والشعب المغربي هو أن المغرب القوي الصامد بمرجعياته الوطنية الجامعة وفي طليعتها المؤسسة الملكية بحضورها الفاعل والرمزي تكرس القيادة الوحيدة الضرورية والمطلوبة، وأن العاهل المغربي محمد السادس هو القائد الأوحد لنضال ومسار الشعب المغربي من أجل الحرية والكرامة والمساواة وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية ومقومات العيش الكريم، فالمؤسسة الملكية تظل بشرعيتها الدينية والتاريخية والدستورية هي الضامن للتوازن بيـن دولة قوية وعادلة ومجتمع قوي وديناميكي. المؤسسة الملكية ومعها المخزن كانت وستبقى الركيزة الأساسية للدولة ورمـز وحـدة الأمـة والضامنة للتوازنات المجتمعية والحاملة للرؤية التنموية والمشرفة على الرؤى الإستراتيجية طويلة المدى والساهرة على تتبع تنفيذها خدمة للمواطنين، هذا التوجه سيظل الإطار المرجعي المتوافق مع المبادئ والقيم التـي كرسـتها الوثيقة الدستورية للمملكة.

◙ مشكلة شباب حركة 20 فبراير ومنظّريهم أنهم أعجبوا بتاريخ الثورة البلشفية والصراع بين التيار البلانكي وأفكار روزا لوكسمبورغ وأسباب سقوط كومونة باريس والثورة البوليفارية وامتداداتها اللاتينية

اليوم توضح بالملموس أن الدوائر الدولية المعادية للوطن تصر على استحضار معاني الاستعمار والتبعية وتحاول استهداف الأمن القومي للمغرب واستقراره مستخدمة بعض الوجوه من معارضة اليوتيوب ومجموعة من العملاء في الداخل من تجار الأزمات والفكر العدمي التيئيسي.

استقرار الدولة المغربية ونجاح المحطات السياسية الداخلية وإسقاط بقايا الخريف العربي بشكل شعبي وديمقراطي أربك حسابات الخصوم. استهداف الرباط اليوم صار غاية تجمع أطرافاً دولية وإقليمية عديدة على اختلاف مصالحها. تظن أن محاولة إشعال بؤر احتجاجية اجتماعية واستخدام حملات إلكترونية منظمة ونشر تقارير حقوقية مفبركة ستعيد الروح إلى توازنات ما يسمى بالخريف العربي لإعادة رسم الخارطة الإقليمية وفق أهوائها ومصالحها.

لا أحد يجادل اليوم في أن المغرب مستهدف من أكثر من طرف إقليمي ودولي بسبب النجاحات السياسية والدبلوماسية والاجتماعية والاقتصادية التي يحققها على أكثر من صعيد في ظل تداعيات أزمة عالمية مرتبطة بجائحة كورونا وانعكاسات الحرب الأوكرانية – الروسية وأحداث الشرق الأوسط. فالعديد من الأطراف الإقليمية والقوى الدولية تفضل المغرب دولة ضعيفة غارقة في صعوبات اقتصادية وأزمات اجتماعية وتجاذبات سياسية في سبيل البحث عن موطئ قدم في منطقة بالغة الحساسية بالنسبة للصراع الجيوسياسي العالمي وحرب المواقع بين كبار العالم كما أكد الملك محمد السادس في خطاب الرياض قائلا “إن المخططات العدوانية، التي تستهدف المس من استقرارنا متواصلة ولن تتوقف. فبعد تمزيق وتدمير عدد من دول المشرق العربي ها هي اليوم تستهدف غربه. وآخرها المناورات التي تحاك ضد الوحدة الترابية لبلدكم الثاني المغرب. وهذا ليس جديدا، فخصوم المغرب يستعملون كل الوسائل المباشرة وغير المباشرة في مناوراتهم المكشوفة، فهم يحاولون حسب الظروف، إما نزع الشرعية عن تواجد المغرب في صحرائه، أو تعزيز خيار الاستقلال وأطروحة الانفصال، أو إضعاف مبادرة الحكم الذاتي التي يشهد المجتمع الدولي بجديتها ومصداقيتها”.

البراق شادي عبدالسلام
كاتب وباحث مغربي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه