اضحك للدنيا تضحكلك!

بقلم حنان مبروك شباط/فبراير 28, 2024 64

اضحك للدنيا تضحكلك!


كلام الجدود حكم ودروس تحتاج منا أحيانا إعادة النظر فيها والتعلم منها.

كلام أجدادنا حكم
كانت المجتمعات العربية وحتى الغربية تعيش طوال عقود حياة طبيعية يتراوح فيها البشر بين ثنائيات متضادة منها الخيّر والشرير، الناجح والفاشل، المتفائل والمتشائم، المنضبط والمستهتر، الملتزم والمسوّف، وغيرها، حتى ظهر علينا مصطلح “التنمية البشرية” الذي حمله في البداية قلة قليلة من المفكرين مثل المصري الراحل مصطفى محمود الذي وضع فلسفة حياتية روّج لها محاولا تحفيز الناس ليغيروا حياتهم وألاّ يتقبلوا ظروفهم وتحديات الحياة وألاّ يفسحوا لها المجال للتحكم فيهم، انطلاقا من تجربته في الحياة.

ظلت البشرية على هذه الحال، بعضها اقتنع بدروس هؤلاء الخبراء، تعلم منها، غيرت فيه الكثير، حتى وصلنا اليوم إلى “مستنقع” من الخبراء، الجميع يفتي في التنمية، الجميع يوجه النصائح قبل الصباح وبعد المساء وفي كل وقت.

في الشارع، في التلفزيون، في الراديو، وفي مواقع التواصل الاجتماعي، نصف المجتمع أصبح خبراء في التنمية البشرية و”كوتش دو في” (مدرب حياة) والنصف الآخر أصبح كومة من الفاشلين، يحتاجون التفكير بإيجابية لتغيير حياتهم أو هكذا يقنعهم هؤلاء المدربون ليتربحوا من متابعتهم.

قد يكون بعضهم يتكلم عن خبرة وعلم، يجمعون بين قدرتهم على التحفيز والخطابة وتكوينهم الأكاديمي العلمي ليغيروا قناعات الناس ويرتقوا بهم في سلم المجتمعات ويهونوا عليهم صعوبات الحياة، لكن أغلبهم يبيع كلاما لا ينطبق حتى على حياته الخاصة. وقد تجد الواحد منهم فاشلا، لم يحقق في حياته أي تقدم يذكر، ينصح الناس وهو أكثرهم حاجة إلى النصيحة، ينطبق عليه المثل التونسي “سيدي العربي إذا نصحك شطر النصيحة ليه”، وهو ما يحصل بالفعل.

في تونس، كنا ولا زلنا نسمع عبارة “ناس زمان يقولو” (يقولون)، وهي إن تأملنا فيها وفي ما قالوه لنا لوجدناها أفضل معلم، وعلى رأي المثل العربي “اسأل مجرب وما تسألش طبيب” وهذه لهي التنمية البشرية الحقيقية.

منذ أن كنت طفلة، كانت جدتي تردد على مسامعي عبارتين لم أعلم حقيقتهما إلا بعد التجربة، وبعد سنوات طويلة. تقول الأولى “اضحك للدنيا تضحكلك”، قد يربطها البعض بقانون الجذب، الذي يعلمهم أن ما تفكر فيه وما ترسله للحياة يعود إليك وتجذبه كالمغناطيس، لكنها في الحقيقة درس كبير من دروس الحياة، فالسعادة شأن داخلي، شعور ذاتي، إن لم تشعر به لن تضحكك أو تسعدك أيّ أشياء تجود بها الحياة عليك. لذلك كلما نظرت إلى الحياة بعين الممتن ستكون سعيدا بكل تقلباتها، بمسارها المتذبذب الذي يشبه نبضات قلوبنا، ولا يستقيم إلا بعودة الروح إلى خالقها.

أما العبارة الثانية فتقول “إلّي تكبش فيه يروحلك” (ما تتمسك به يتشبث بك)، كانت جدتي ترددها كلما جاءت سيرة إحدى النساء اللواتي تعرفهن، تحديدا، إذا ما حزنت هذه المرأة على فراق شخص غريب عنها مواساة لجارة أو صديقة، حتى أصابها الحزن على فراق أحد أبنائها أو زوجها. ترى جدتي ببساطة أن كل من يتمسك بالحزن على البعيد سيجد نفسه حزينا على الأقربين، فلسفة امرأة بسيطة لم تتعلم، ولم تختبر من الحياة إلا ما يحدث في محيط قريتها النائية، لكنها بالتجربة أثبتت لي أنها درس كبير من دروس التنمية الذاتية.

قد يبدو معنى العبارتين متقاربا، وهو بالفعل كذلك فالفرح أو الحزن، كلاهما شعور ذاتي كلما تمسكت به تعزز حضوره في حياتك، فعقولنا مبرمجة على استحضار مع نشعر به، جرب أن تفكر في السعادة ولن يركز عقلك إلا على السعيدين من حولك، وهكذا هو الحزن.

لذلك أدركت، ورغم عدم قناعتي الكبيرة بشعارات المدربين، أن كلام الجدود حكم ودروس تحتاج منا أحيانا إعادة النظر فيها والتعلم منها، ورفعت شعار “اضحك للدنيا تضحكلك”.

حنان مبروك

صحافية تونسية

قيم الموضوع
(1 تصويت)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه