مال أبل الضائع

بقلم د. هيثم الزبيدي شباط/فبراير 29, 2024 63

مال أبل الضائع


هل ضيعت الشركة 30 مليار دولار على مدى 10 أعوام؟ في عالم بدائي سيكون الرد نعم.

خرج المال والوقت والجهد من جيب أبل ليدخل في وعاء المعرفة الإنسانية
قررت شركة “أبل” إلغاء مشروعها لتصنيع سيارة كهربائية. أنفقت الشركة على المشروع 30 مليار دولار وشغّلت فيه ألفيْ موظف وباحث على مدى 10 أعوام، لتنتهيَ بقرار إلغاء المشروع والالتفات إلى تطوير بحوثها وتقنياتها في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي. أحست الشركة أن “أبل كار”، سيارة أبل، ليست مشروع المستقبل الذي تريده لنفسها. يجمع المشروع، بحسب ما تسرب عنه بحكم التكتم الذي مارسته الشركة، أفضل تقنيات السيارات الكهربائية، والذكاء الاصطناعي الذي كان سيجعل السيارة صديقة للبيئة وبلا سائق ولا عجلة قيادة.

من الصعب الحكم إن كان القرار محزنا أم مجرد قرار استراتيجي اتخذته إدارة الشركة. علينا أن نتذكر أن أبل صاحبة ثورات متعددة في مجال التقنية: من كمبيوتر ماكنتوش في الثمانينات، إلى إيبود للموسيقى في التسعينات، وصولا إلى الهاتف الذكي الأهم في العالم أيفون والكمبيوتر اللوحي أيباد بعد الألفية. الالتفات إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي خطوة مهمة لشركة تقدر أهمية هذه التقنية الصاعدة، لأنها من أوائل من استخدم الذكاء الاصطناعي في الهواتف. مَنْ تعتقد إذا قد رتب لك الصور في هاتفك وصنفها حسب الوجوه غير برنامج “سيري” الذكي والذي أصبح جزءا لا ينفصل عن أيفون.

هل ضيعت الشركة 30 مليار دولار على مدى 10 أعوام؟ في عالم بدائي سيكون الرد نعم. هذا مبلغ فلكي بمقاييس الشرق الأوسط مثلا. بلاد عربية تتفاوض مع صندوق النقد الدولي لسنوات من أجل الحصول على ملياري دولار كقرض، ومصر ترى في مشروع رأس الحكمة الذي سينفق على تطويره 35 مليار دولار مخرجا لها من أزمتها. كيف يجرؤ مديرو أبل على شطب استثمار كهذا، والالتفات إلى مشاريع أخرى؟

لكن الرد في عالم متقدم تقفز فيه قيمة الشركات بـ250 مليار دولار خلال أيام، كما حدث مع شركة إنتاج المعالجات إنفيديا، يكون: إن القرار متناسب مع حركة التطوير والابتكار التي تغير الدنيا بشكل يومي. لا المال الذي أنفق على مشروع أبل كار ضائع، ولا الزمن ولا جهد الباحثين. هذا عالم يراكم المعرفة بشكل غير مسبوق. لا نعرف على وجه التحديد كم براءة اختراع قد سجلها فريق البحث في مشروع سيارة المستقبل خلال 10 سنوات، ولا عدد الأوراق العلمية المنشورة، ولا حجم التداخل بين البحوث التي قامت بها أبل مع الجامعات المتقدمة في الولايات المتحدة وأوروبا. الطريقة التي تقاس بها الأمور في العالم المتقدم لا علاقة لها بالطريقة التي نقيس بها في عالمنا. خرج المال والوقت والجهد من جيب أبل ليدخل في وعاء المعرفة الإنسانية.

يحب صديقي العزيز محمد الهوني أن يسأل برنامج “سيري” عن أشياء يستعجل حصول الإجابة عنها. سأسأل معه: يا “سيري”، كم قيمة المعرفة الإنسانية (أو حتى الاصطناعية فلا فروق كبيرة بينهما الآن) المكتسبة من هذا المال “الضائع”؟

د. هيثم الزبيدي

كاتب‭ ‬من‭ ‬العراق‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬لندن

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه