في عيد المعلّم.. إستذكار ووفاء لمدرّس لم يكن عاديّاً

بقلم محمد عبد المحسن الخفاجي شباط/فبراير 29, 2024 83

في عيد المعلّم.. إستذكار ووفاء لمدرّس لم يكن عاديّاً

محمد عبد المحسن الخفاجي

شكور مصطفى ، رحمه الله .
إسم لم تكتب له شهرة كان يستحقها فزهده وترفّعه كانا سببين لانكماشه فلم يعرفه إلّا من عايشه عن قرب .
يؤسفني أنني لا أحتفظ له بصورة لترافق هذه الكلمات، لكن صورته في خاطري تظل كبيرة ومضيئة .
هو مدرّس للّغة العربية جاد به علينا حسن الطالع في العام الدراسي ١٩٦٦ / ١٩٦٧ يوم كنا في الصف الخامس الأدبي ( كان الخامس الثانوي آنذاك آخر صفوف الدراسة الثانوية قبل إضافة الصف الرابع العام )، حين نُقل من معهد المعلمين في كربلاء إلى مدرستنا ، ثانوية الجمهورية الواقعة في حي المعلمين ببغداد الجديدة بموازاة حي المشتل شرقي شارع قناة الجيش ، واستأجر لسكنه بيتاً لا يبعد كثيراً عن المدرسة .
عرفنا منذ محاضرته الأولى أنه كردي بسبب اللكنة الواضحة في لفظه ، وكان الطلبة يتبادلون الضحك كلما حاول نطق كلمة ( بسيطة ) التي كان ينطقها ( بصيتة ) ، لكنّ هذه اللكنة كانت تخفي وراءها علماً غزيراً في النحو والإعراب والأدب والفلسفة والتاريخ .
تميز رحمه الله بنزعة موسوعية إذ كانت قراءاته متنوعة واسعة، وكان يردد أن المواظبة على القراءة تجعلها تتحول إلى ( إدمان نافع )؛ وتجسّد ذلك في مشهد طريف شاهدناه مرات ، إذ كان يقطع طريقه إلى المدرسة عند الصباح ماشياً وفي يده كتاب يطالعه، وكثيراً ما كان يتعثر أثناء انشغاله بالقراءة ويوشك على السقوط بسبب الأحجار والحفر الصغيرة التي يمتلئ بها الشارع الذي لم يكن معبّداً آنذاك .
علمنا منه أنه درس في المدارس الدينية التي تدرس فيها علوم الشريعة واللغة العربية يوم كانت النظم المطبّقة تسمح بتعيين خريجيها مدرّسين للغة العربية .
تجلّت غزارة مخزونه الفكري في تنوّع ما كان يمدّنا به من معارف ثقافية ، فإلى جانب ما هيّأه لنا من إلمام بمفردات المادة المقررة لم يقف عند هذا الحد بل جعل محاضراته ميداناً ثقافياً واسعاً ، فسعى إلى إطلاعنا على بعض جوانب الخلاف في فقه اللغة بين مدرستي البصرة والكوفة ، وقواعد للإملاء لم نكن على معرفة بها ، وإلقاء الضوء على أصول البلاغة وكتابة النص الأدبي وكتابة المقالة ، وزاد على ذلك بتقديم قواعد التقطيع الشعري وبعض البحور الشعرية ؛ وكثيراً ما كان ينعطف نحو آفاق واسعة في الفكر العربي والأجنبي . كان باختصار مدرسة ثقافية ، وأستطيع أن أزعم أنه اختزل سنوات دراسية في سنة واحدة .
وكشأن كل جادّ وحريص لم يكن رائق المزاج دوماً ، فكثيراً ما كان ينفعل حين يُفاجَأ بجهل طالب بما تجب الإحاطة به ، كما كانت له تعليقات حادة على مستويات بعض الطلبة ، أذكر منها قوله لطالب خامل " أشهد لك والله أنك تجيد الجلوس ! " .
كانت نصيحته الذهبية لي الحرص على إتقان لغة أجنبية، وهي نصيحة لم تكن مجردة من التطبيق والممارسة ، فقد كان هو يجيد من اللغات العربية والكردية ( التي كان يردد بها شعر عبد الله گوران دوماً ) والفارسية والإنكليزية .
بعد اجتياز ذلك العام الدراسي الصعب الذي ترافق الإمتحان الحاسم فيه بحرب حزيران ١٩٦٧ حين نشبت الحرب في ثالث أيام الإمتحان الوزاري، توزعنا ، أنا وزملائي ، على كليات ومعاهد في تخصصات مختلفة، لكنّي وبعض الزملاء ظللنا على تواصل امتد بعض الزمن مع أستاذنا الذي لا يمكن نسيانه .
في السبعينيات نُقل إلى دار الثقافة الكردية ، وأخبرني صديق فيما بعد أنه صار عضواً في المجمع العلمي .
كان ذلك في مرحلة لم يكن المدرّسون فيها يتبارون لتقديم الدروس الخاصة بحثاً عن الأجور ، ولم تكن هناك مدارس للجذب الجيد ومدارس ينحصر فيها المدرّسون اللامعون ومدارس يقتصر القبول فيها على أبناء المسؤولين .
بعد أن انقطعت أخباره واصلت السؤال عنه متيقناً أنه غادر الحياة بسبب العمر ومضي السنوات الطويلة حتى علمت من الزميل القاضي رزگار أمين ( وهو ابن السليمانية أيضاً ) أنه توفي منذ سنوات عديدة ودفن في القرية التي تسكنها عائلته في محافظة السليمانية .
لروحك الطيبة ، أستاذي ، تحية وفيض تقدير ودعاء بالرحمة ودوام الذكر الطيب أيها المعلّم العالِم .

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه