المبادرة الأطلسية.. البناء والمميزات والهوية الجيوسياسية

بقلم محمد بودن آذار/مارس 02, 2024 48

المبادرة الأطلسية.. البناء والمميزات والهوية الجيوسياسية


رؤية العاهل المغربي للواجهة الأطلسية تمثل اتجاها طموحا للفضاء الأطلسي الأفريقي وعزما على الاستفادة من مؤهلاته.

رؤية مغربية متعددة الأبعاد والمنافع
يتزايد الاهتمام بالمحيط الأطلسي يوما بعد يوم من أجل استثمار الفرص المتاحة والانتماء المشترك لمواجهة مختلف التحولات الدولية وخلق الوعي بمزايا الجغرافيا الأطلسية؛ ذلك أن تقديرات البنك الدولي تشير إلى أن المحيطات تساهم بمبلغ 1.5 تريليون دولار سنويا في الاقتصاد العالمي ومن المتوقع أن يتضاعف هذا الرقم في أفق 2030 إلى أزيد من 3 تريليونات دولار ومن المنتظر أن تنتج قطاعات اقتصاد المحيطات المستدامة ما يقارب 50 مليون فرصة عمل في أفريقيا وتساهم بنحو 21 مليار دولار من الناتج المحلي الإجمالي لأميركا اللاتينية.

وتمثل رؤية العاهل المغربي الملك محمد السادس للواجهة الأطلسية، بالتنسيق مع شركاء دوليين وإقليميين، توجها طموحا ومبتكرا للفضاء الأطلسي الأفريقي وعزما على الاستفادة من مؤهلاته البشرية والطبيعية في إطار مبادرة جماعية بما يساهم في تقوية محركات التنمية وتطوير البنية التحتية للنقل البحري وتعزيز الاستثمارات في سلاسل القيمة المرتبطة بالطاقة والاقتصاد البحري. ومن منطلق أن الهوية الجيوسياسية للمغرب تحتوي على بعد مهم وهو البعد الأطلسي فإنه بلد يتمتع بالدور المؤثر لتطوير منظور أطلسي أفريقي يعمق التواصل ويعزز الروابط على المدييْن المتوسط والبعيد لكون المغرب هو الشريك التجاري الأول في أفريقيا لعدد من الدول الأوروبية الأطلسية الوازنة والمستثمر الأفريقي الأول في غرب أفريقيا، ويرتبط بعلاقات تقليدية مع دول أفريقيا الأطلسية حيث قام الملك محمد السادس منذ سنة 1999 بـ38 زيارة إلى 15 بلدا أطلسيا أفريقيا، كما يجعله موقعه الإستراتيجي أقرب بلد أفريقي لأوروبا مؤهلا في الوقت نفسه لإنشاء علاقات ممتازة مع قوى دولية كبرى لفائدة المبادرة الأطلسية.

إن ميلاد مبادرة تكامل على الواجهة الأطلسية لأفريقيا يدل على اهتمام العديد من الفاعلين في هذا الفضاء الجهوي ببناء أرضية مشتركة ومنصة مفتوحة للتعاون والحوار وتعزيز القدرات التنافسية للبلدان الـ23 المعنية والتحرك بفاعلية في الديناميكية الدولية الراهنة، ولاسيما جعل الساحل الأطلسي الأفريقي مصدرا للحلول الأمنية والفرص الاقتصادية والاستثمارية في إطار توجه دولي يسمى اقتصاد المحيطات. وذلك لكون الأطلسي فضاء مؤهلا للتمتع بروابط مهمة مع الواجهات الأطلسية الأخرى، خاصة مع الولايات المتحدة ودول غرب أوروبا وأميركا اللاتينية والكاريبي؛ لأن المحيط الأطلسي يعتبر في الوقت الراهن أكثر المحيطات استقرارا وكثافة على مستوى التبادل بالمقارنة مع المحيطين الهادئ والهندي.

إن مبادرات التكامل والاندماج بشكل عام توفر للدول ظروفا تنافسية أفضل وتعزز خيارات تنويع الشركاء وتطوير الفرص الاقتصادية وحماية المصالح المشتركة من تقلبات الأسواق الدولية والمتغيرات الجيوسياسية.

إن ميلاد مبادرة تكامل على الواجهة الأطلسية لأفريقيا يدل على اهتمام العديد من الفاعلين في هذا الفضاء الجهوي ببناء أرضية مشتركة ومنصة مفتوحة للتعاون والحوار

وبالرغم من أن دولا بعينها تمتلك إمكانات فردية مهمة على الواجهة الأطلسية الأفريقية إلا أن مبادرة خلق إطار تعاون أطلسي أفريقي من شأنها أن تضيف ميزات أخرى إلى القوة الصلبة الخاصة بكل بلد.

الأمر إذن لا يتعلق بمبادرة تكامل تقليدية بل برؤية تتضمن قراءة متبصرة للجغرافيا السياسية الأطلسية لأفريقيا، والتي تضم بلدانا من أربع مناطق جيوسياسية بالقارة من الشمال والغرب والوسط والجنوب وترمي إلى توسيع نموذج التعاون الأطلسي بإقامة مشاريع لخلق تحول جوهري في الفضاء الأطلسي برمته. وفي هذا الإطار يبرز مشروع خط أنابيب الغاز المغرب – نيجيريا الذي يهم 13 بلدا أطلسيا أفريقيا (440 مليون نسمة) ويتجاوز طموحه 5660 كيلومترا نحو غرب أوروبا ومن شأنه أن يصبح عنوانا بارزا للازدهار المشترك في الأطلسي وطريقا للتنمية ورمزا للتلاقي بين قارتين.

ستمكن المبادرة الأطلسية الأفريقية من تحقيق أربع أولويات إستراتيجية:

فضاء أطلسي أفريقي يستوعب الحلول الأمنية الأطلسية ويعزز الاستقرار والسلام.
فضاء أطلسي أفريقي بميزة تنافسية على مستوى سلاسل القيمة.
فضاء أطلسي أفريقي مستدام على مستوى النسيج الاجتماعي والبيئة والاقتصاد الأخضر والرقمي وتطوير الحلول في قضايا الأمن الغذائي والمائي والطاقي.
فضاء أطلسي أفريقي يضمن تسويق إمكاناته كواجهة جذابة في جنوب العالم.
ومن المؤكد أن أطرافا دولية من خارج القارة الأفريقية ستعمل على مراقبة آفاق المبادرة الأطلسية وكيفية مساهمتها في التصور العام لإقلاع المنطقة في إطار نموذج للتعاون الدولي على مدى يزيد عن 11000 كيلومتر بين طنجة وكاب تاون مرورا بلاغوس. ومن أبرز أمثلة هذا الاهتمام الدولي بجعل الأطلسي كأفق للتفكير اعتماد 32 دولة ساحلية (أصبح العدد الآن 38 دولة) على المحيط الأطلسي من أربع قارات إعلانا بشأن التعاون الأطلسي في سبتمبر 2023 على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك وقد شاركت خلال هذا اللقاء 15 دولة أفريقية أطلسية.

المبادرة الأطلسية الأفريقية تمثل الرؤية الإستراتيجية الأفريقية الأهم والأوسع في الوقت الراهن

بخصوص الفوائد الاقتصادية والجيوسياسية المنتظرة للمبادرة الأطلسية الأفريقية يمكن إبراز أربع فوائد متوقعة:

تقوية أسس التعاون الإقليمي المنسق بالواجهة الأطلسية لأفريقيا، ما سينعكس إيجابيا على الاقتصاد الوطني لكل بلد أطلسي من منطلق أن مجموعة الاقتصادات العشرة الكبرى في أفريقيا تضم ست بلدان أطلسية ولكون الواجهة الأطلسية بأفريقيا تتركز فيها نسبة 55 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي الأفريقي وتحقق اقتصادات الدول الأطلسية الأفريقية نسبة 57 في المئة من التجارة الحرة في القارة و بإمكانها أن تجذب 60 في المئة من الاستثمار الأجنبي المباشر بفعل الاهتمام الدولي المتنامي بالأطلسي.
تعزيز الموقف التفاوضي للدول الأطلسية مع مختلف القوى الدولية وآليات التعاون الدولي والمنتديات الإقليمية وتأمين تمويل المشاريع الإقليمية وضمان مصالح مختلف دول الفضاء الجهوي الأطلسي بالواقعية والبراغماتية المطلوبتين.
تثمين الأهمية الإستراتيجية للواجهة الأطلسية الأفريقية من أجل تطوير سلاسل قيمة أطلسية وزيادة الاهتمام بها لتغطية النقص الواضح في البنى التحتية والاستثمارات.
خلق منصة مفتوحة و مبتكرة لتكثيف التعاون جنوب – جنوب وتحقيق تحول جوهري في الفضاء الأطلسي برمته بشكل يضمن التلاقي بين الواجهة الأطلسية الأفريقية والواجهة الأطلسية لأميركا اللاتينية وجعل الأطلسي فضاء للشراكة من أجل التقدم والسلام لمصاحبة مختلف الديناميكيات الجديدة، من منطلق أن 46 في المئة من سكان القارة الأفريقية يتواجدون في البلدان المطلة على الواجهة الأطلسية ومعظمهم شباب يشكلون قوة دافعة لسوق الشغل وقاعدة مهمة للاستهلاك.
وتمثل المملكة المغربية ركيزة أساسية في المبادرة الأطلسية ومحركا حيويا لهذا التوجه الفعال من منطلق احتضان الرباط للأمانة العامة لمبادرة الدول الأطلسية وتنسيقها للاجتماعات الوزارية في نيويورك على هامش الدورة الـ78 للجمعية العامة للأمم المتحدة وآخر اجتماع وزاري بالرباط في يوليو 2023، وقد تم تكليف نيجيريا والرأس الأخضر والغابون بصياغة خطط العمل في المسائل الأمنية والسياسية ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية، والقرصنة البحرية والهجرة غير الشرعية، والاقتصاد الأزرق، والربط البحري والطاقة، ثم التنمية المستدامة وحماية البيئة البحرية.

وتمثل المبادرة الأطلسية الأفريقية الرؤية الإستراتيجية الأفريقية الأهم والأوسع في الوقت الراهن ومن ثم فإن تنفيذها بشكل عملي يتطلب تحقيق ثلاثة عوامل محفزة وهي مشاريع التعاون وتعزيز التعاون الثلاثي بمشاركة فاعلين دوليين مهتمين وتحديد الأهداف بعيدة المدى من أجل أن تصبح في المستقبل مساحة للتكامل الاقتصادي والتوافق السياسي والمزايا التنافسية، وكما هو الحال دائما القوة تولد من الوحدة.

محمد بودن
خبير في الشؤون الدولية المعاصرة

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه