السخرية في مواجهة الإستبداد

بقلم الكاتب الهاشمي نويرة آذار/مارس 05, 2024 105

السخرية في مواجهة الإستبداد

الكاتب الهاشمي نويرة

شيّعت مدينة “قصر قفصة” الواقعة في الجنوب الغربي التونسي جثمان “علي بوهبرة” وهو شخصية طريفة ارتبط إسمه بعدد هامّ من النوادر والطرائف والمواقف الهزلية والمضحكة وكذلك بكمّ كبير من النكت السياسية والاجتماعية والتي لا تخلو من النقد اللاذع أحيانا للأوضاع القائمة .
ومدينة “قصر قفصة” هي سليلة واحدة من أقدم الحضارات في العالم وهي الحضارة القبصية ، نسبة إلى مدينة “قبصة” ، الإسم اللاتيني لمدينة قصر قفصة التونسية الحالية ، إذ تعود هذه الحضارة آلاف السنين، منذ نهاية العصر الحجري القديم وإلى العصرين الحجريين الوسيط والحديث .
وتكثّف شخصية “علي بوهبرة “ الملامح العامة للشخصية التونسية التي عاصرت مختلف التقلّبات السياسية والاجتماعية التي عاشتها تونس منذ استقلالها سنة 1956 ، والتي لا تخلو مواقفها من رؤية نقدية للأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
وتنتعش المواقف الهزلية والساخرة ذات الأسلوب الانتقادي في مناخات سياسية تتّسم بالتضييق على الحريات العامة والفردية ، وتمثّل جزءا أساسيا من الأدب الشعبي .
وتاريخيا تتولّى هذه المواقف والحكايات والنوادر إمّا شخصيات واقعية تجسّد هذه الرؤى الكامنة في المجتمعات التي لا تتوفّر فيها مناخات سليمة لحرية الرأي والتعبير والصحافة ، أوفي الغالب ترتبط بشخصيات خيالية يبتكرها الخيال الشعبي في عصور ومجتمعات مختلفة، كمثل شخصية “جحا “ في الثقافة العربية وفي عدد آخر من الثقافات القديمة .
وبقطع النظر عن شكل هذا الأدب الشعبي الساخر سواء كان مكتوبا أو شفويا ، فهو يلبّي حاجة المجتمع إلى خطاب نقدي يهدف إلى التشهير بممارسات أصحاب السلطة والحُكْمٍ وأصحاب النفوذ الاقتصادي والاجتماعي والسياسي عموما ، وذلك بُغية تعديل الأوضاع في اتّجاه الأسلم والأنسب .
وقد راوح هذا الأدب عبر التاريخ بين المزحة والهزل والنكتة السياسية ووصولا إلى الهجاء الذي هو أكثر الأشكال حدّية في الأدب الساخر ، وكان في جلّ أشكاله أداة مجتمعية لتعديل الأوتار في حال إنحراف الحكّام ، ولكن يحدث أيضا أن يتمّ توظيف هذا الأدب الشعبي من جانب السلطة وخصوصا في المجتمعات التي يتدنّى فيها منسوب المعرفة وتتهاوى فيها الحريات الفردية والعامة ويحاول فيها الحاكم الإستحواذ على كلّ مجالات الثقافة والرأي التعبير الرسمية وغيرها بما فيها هذه الأشكال التعبيرية التلقائية التي ابتدعتها الشعوب للخروج من عتمة التضييقات التي تفرضها السلطة السياسية على مواطنيها مهما كان موقعها الجغرافي ومهما كانت طبيعتها ،
ولكنّ المعاينة التاريخية تؤكّد أنّ نجاح السلط في استقطاب الأدب الشعبي التلقائي والالتفاف عليه يبقى محدودا من حيث النجاعة ، في حين مثّل على مدى التاريخ أداة فعّالة بين أيدي المجتمعات في مواجهة انحراف الحكّام واستبدادهم .
وإنّ نجاح هذه الأشكال الشعبيّة التلقائية الساخرة يعود أساسا إلى تلبيتها حاجة إلى النقد تكاد تكون فطرية في المجتمعات الحضرية ، وهو نَقْدٌ يُبرز الجوانب المضحكة والعبثية والسخيفة والمظاهر غير العادية في الحياة اليومية وينقلها في شكل هزلي يُدخل بعض البهجة على المواطن ويبعث بعض الرعب في نفوس الحكّام ، ليبقى الأدب الشعبي عموما هو أشدّ وأنجع الوسائل التي ابتدعها الخيال والواقع المجتمعي من أجل التصدّي لكلّ أنواع الاستبداد .
المصدر :
جريدة الزوراء

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه