تخمة درامية

بقلم د. هيثم الزبيدي نيسان/أبريل 18, 2024 78

تخمة درامية


المماطلة في تقديم الحكاية، كما تعودنا في المسلسلات العربية، في طريقها إلى الانحسار.

نكهة أفضل ومسلسلات أكثر
في عراق الثمانينات، كانت من علامات الوجاهة هي كمية أشرطة الفيديو التي تمتلكها للأفلام والمسرحيات. كلما زاد عددها، كلما عرف الجيران والأصدقاء أن بحوزتك كنزا تفاخر به. السفر كان ممنوعا بسبب ظروف الحرب، والتلفزيون العراقي كان تعبويا، بين أخبار المعركة وبياناتها وأغاني الشحن المعنوي الوطنية. كان من الطبيعي جدا أن تمتد نشرة الأخبار ساعات، وتحرق برامج الأمسية، وخصوصا الأفلام.

أشرطة الفيديو للأفلام العربية والغربية كانت المتنفس، كما توفر الأساس لما صار يعرف بتبادل الأفلام. ثمة تفاهم مع الجار أن يعلمك بما لديه من جديد، مقابل إعلامه بما عندك من جديد. تتبادلان الأفلام على هذا الأساس، وليس بشرط فيلم بفيلم. في أحيان أخرى يتم التبادل بالإنابة. الجار يشاهد فيلما أخذه من صديق ويمرره لك بشرط إعادته بسرعة. أمسيات عراق الثمانينات طويلة، وتحتاج إلى الكثير من ساعات الفيديو لملئها. الندرة هي الأساس، والوفرة لا وجود لها. التقشف كان سائدا في كل شيء.

في هذه الآلية المبتكرة، أنت لا تختار. كل ما يقع بين يديك تشاهده؛ من أسخف فيلم من سينما المقاولات المصرية التي سادت في ذلك الوقت، إلى نسخة رديئة من فيلم أميركي حصل على الأوسكار.

الآن نواجه وضعا معكوسا تماما. أغلب الذين أعرفهم في الغرب لديهم اشتراكات بمنصات البث التدفقي المعروفة؛ نتفليكس وأمازون وناو تي في وديزني بلص وأبل وشاهد. البعض لجأ إلى اشتراكات مقرصنة تجمع العديد ممّا هو متاح باللغات الغربية والعربية والمترجمة والمدبلجة. إذا كان لديك تلفزيون ذكي مثل سامسونغ، فإن شريط المنصات أسفل الشاشة مزدحم وتنضاف إليه خدمات البث التدفقي الإضافية للمحطات الأرضية: إذا كنت في بريطانيا على سبيل المثال، فستحصل مجانا على منصات بي بي سي وأي تي في والقناة الرابعة و5.

هذا يجعلني وغيري أمام أزمة اختيارات يومية. ماذا تشاهد وماذا تؤجل وماذا تضع جانبا. من مزايا الإنتاج الدرامي العربي مثلا، وخصوصا في شهر رمضان، أن مشاهدة حلقة أو حلقتين من المسلسل قد تساعدك في استبعاده أو الاستمرار به: المسلسل الجيد يبان من حلقاته الأولى، كما الكتاب يعرف من عنوانه. لكن تبقى الحيرة قائمة مع المسلسلات والأفلام والوثائقيات الكثيرة الأخرى.

هل لاحظتم شيئا مؤخرا؟ لقد تدخل القائمون على اختيارات الأعمال الدرامية في المنصات لصالحنا وتقلص الكثير من مسلسلات رمضان إلى 15 حلقة بدلا من مطمطة 30 حلقة. في الإنتاج الغربي، صارت أغلب الأعمال الدرامية لا تتجاوز 8 حلقات. المماطلة في تقديم الحكاية، كما تعودنا في المسلسلات العربية، في طريقها إلى الانحسار. تذكروا معي كمّ المشاهد الحوارية التي كان بوسع المنتج اختصارها من الكثير من مسلسلات رمضان لهذا العالم. الاختصار، أو التكثيف، هبة الدراما الجديدة. نكهة أفضل ومسلسلات أكثر: وفرة من نوع مختلف في عالم الوفرة. وكما فرضت المنصات الغربية على بعضها البعض مقاييس عدم الإكثار في عدد حلقات المسلسلات، فإن من المنتظر أن نرى نفس الشيء في الدراما العربية.

كان الصيف الساخن في عراق الثمانينات لا يقف حائلا أمام الجولة شبه اليومية على الجيران والأصدقاء لالتقاط الجديد ومشاهدته. لا شيء من هذا اليوم، والمُتعِب هو الانتقاء من بين الكثير. الوفرة صارت تخمة. ولا وجاهة مع البطن المتخمة.

د. هيثم الزبيدي
كاتب‭ ‬من‭ ‬العراق‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬لندن

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه