مأساة التشبّه بالغرب

بقلم الكاتب الهاشمي نويرة نيسان/أبريل 24, 2024 83

مأساة التشبّه بالغرب

الكاتب الهاشمي نويرة

مرّة أخرى تُطالعنا الأخبار القادمة من دول الغرب الليبرالي بأمثلة لافتة عن التحولات الكبرى في المنظومة الغربية والتي من الواضح أنّها تقطع مع التقاليد والمُثُلِ الديمقراطية التي تنهل من منبع واحد هو حرية الرأي والتعبير وحرية العمل الصحفي بالخصوص .
هذه المرّة جاءت الأخبار من إيطاليا التي يحكمها اليمين المتطرّف بقيادة جورجيا ميلوني ، حيث بدا أنّ واقع حرية العمل الصحفي مقبل على مستقبل “ مظلم” وأضحى مهدّدا بصفة جدّية مثلما جاء ذلك في مقال صدر الجمعة الماضي في صحيفة لوموند الفرنسية
الصحفيون الإيطاليون أعربوا عن إدانتهم الشديدة لترسانة الإجراءات والقوانين الهادفة إلى تضييق الخناق على العمل الصحفي من خلال ضرب حرية النقد وتعطيل الصحافة الاستقصائية ومنع المعلومات وذلك بالخصوص في القطاع العمومي ، وبطريقة ضربت بالتدرّج إستقلالية العمل الصحفي داخل مؤسّسات القطاع العام، ولم يسلم القطاع الخاص هو الآخر من الاستهداف ، وذلك نتيجة تكاثر المراسيم والاجراءات القانونية التي تجرّم المنتوج الصحفي وتُخضع أصحابه للملاحقات والتتبعات القضائية والخطايا واحتمال التعرّض للسّجن .
رئيسة الحكومة الايطالية جورجيا ميلوني وعدت ب” التصدّي لما أسمته “ الهيمنة الثقافية لليسار ، وذلك لضمان إشعاع اليمين وانتشاره “ وقدّرت أنّ ذلك يمرّ حتما عبر وضع اليد على المعلومة والإعلام ، وهذه السياسة الجديدة أثارت حفيظة الرأي العام الصحفي ، ما دفع الصحفيين الإيطاليين إلى تنفيذ جملة من الإضرابات في القنوات التلفزيونية العامة وفي وكالة الأنباء الرسمية .
ومعلوم أنّ تنظيم المهنة الصحفية في إيطاليا إعتمد على مدى الأحقاب في جزء منه على القوانين العامّة المنظمة للعمل الصحفي والنشر ، وداخل المهنة هناك رقابة ذاتية لمسألة أخلاقيات العمل الصحفي عن طريق هيئة مستقلّة تكريسا لمبدأ إستقلالية العمل الصحفي .
ولا يبدو أنّ إيطاليا حالة معزولة في العالم الغربي ولكنّ التوجّه العام في عدد من الدول يُعتبر نسخة مكرّرة ممّا يحدث في إيطاليا ، وإنّ تعدّد أسباب وأهداف هذه السياسات من دولة إلى أخرى، أدّى إلى نتائج واحدة بخصوص التضييق على الحريات.
ولعلّ المزعج في الأمر أنّ التضييق على حرية الرأي والتعبير والعمل الصحفي وقع استسهاله وابتذاله وفُتحت شتّى المداخل لتنفيذه ، وإذا كان الغاية منه هو تقليص النفوذ اليساري في إيطاليا ، فإنّ “محاربة الإرهاب “ والفساد والجريمة المنظّمة والتصدّي لعمليات “ الثلب” مثّل أرضية مناسبة للحكّام من أجل ترجمة “العداء الفطري “ للحرّية الذي جبلت عليها أجيال الحكّام في مختلف دول المعمورة ،
وما يخفّف الوطأة في المنظومة الليبرالية، أنّ دولة الحكّام يُمكن أن تدول في أوّل استحقاق وامتحان انتخابي ولكنّ عدوى معاداة الحريّة إذا مسّت مجتمعات غابت عنها التقاليد الديمقراطية تجعل منها عاهة مزمنة لا تنتفي إلّا بزوال أطرافها .
وفي دولنا العربية فإنّ “نُخَبَنَا” هائمة العشق بالموديل الغربي الليبرالي كانت دوما سبّاقة إلى خلق شروط العدوى وهي في الغالب تأخذ من هذا الموديل الغربي أسوأ ما فيه وتجعل منه قاعدة للحياة ، ذلك أنّ التشبّه الأعمى بالديمقراطية والديمقراطيين في الغرب الليبرالي خلق لدينا “نُخَبًا” هجينة الشخصية والتكوين وفي أغلبها ومنبتّة عن محيطها الجغرافي والحضاري ومتضاربة مع قيم مجتمعاتها وغير مستوعبة لطبيعة المخزون القيمي الإنساني المشترك والذي لا ينفي التنوّع وخصوصيات المجتمعات ،
وفي مقابل النخب خلقت عندنا أجيالا من الحكّام ، أخذوا من الديمقراطية جوانبها الشكلية والفلكلورية بما أفسد جوهرها الإنساني وجعل منها قيدا إضافيا بدل أن تكون سبيلا إلى الانعتاق والحرية .
ومن المضحكات المبكيات أنّ الانحراف في التشبّه الأعمى بالديمقراطية هو ذات الانحراف في التشبّه بالتضييق على الحرّيات وقد يكون أشدّ ، بحُكْمِ “الاستعداد الفطري” لدينا لسلك طريق الإستبداد .

المصدر : صحيفة الزوراء

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه