أضحية لمن استطاع إليها سبيلا

بقلم حنان مبروك نيسان/أبريل 24, 2024 53

أضحية لمن استطاع إليها سبيلا


أزمة الأضاحي ليست جديدة على تونس، وإنما تفاقمت منذ العام الماضي، حيث ارتفعت الأسعار وتراجعت أعداد قطيع المواشي، بسبب غلاء أسعار الأعلاف وحالة الجفاف.

غلاء جنوني للأسعار
يحكى أنه كان لجحا خروف صغير جدا اتخذه صديقا له، يعتني به كثيرا ويطعمه حتى لم يعد يقوى على المشي من سمنته. لمحه بعض أصدقائه فقرروا أن يحتالوا عليه ويقنعوه بذبح الخروف وأكله.

أخذوا يترددون عليه واحد تلو الآخر، محاولين إقناعه، لكن جحا كان مصرا على رفض طلبهم.

سألوه ذات مرة ما الذي ينوي فعله بهذا الخروف الصغير؟ فقال: أريد أن أجعل منه مؤونةً للشتاء. فقالوا: يا لك من مسكين، ألا تعلم أن القيامة غدا أو بعد غد؟

صدم جحا من الخبر، وأصرّ أصدقاؤه المحتالون على إقناعه بأكل الخروف السمين، حتى ضاق صدره من تصرفهم وقرر أن يذبح لهم ذلك الخروف.

ذهبوا جميعا إلى البرية، لتنظيم حفلة شواء. هناك، قرر أصدقاؤه أن يلعبوا ويتسلوا وينزلوا إلى النهر، وتركوه وحيدا يشوي لهم خروفه العزيز، وتركوا أيضا ملابسهم عنده ليحرسها. انزعج جحا من تصرف أصدقائه، فقرر أن ينتقم منهم أشد انتقام ووضع جميع ملابسهم في النار وحرقها.

وعندما عادوا وسألوه أين ملابسنا؟ قال جحا: لقد وضعتها في النار لأشوي بها الخروف. دُهش أصدقاؤه مما فعله، لكنه أجابهم بحيلتهم نفسها: لا تنزعجوا يا أصدقائي فالقيامة غدا أو بعد غد ولا داعي لكم بتلك الملابس.

كثيرة هي نوادر جحا والخرفان، وهي نوادر عادة ما يتذكرها البعض كلما بدأ الحديث عن الاستعداد لعيد الأضحى، خاصة مع الأزمات الاقتصادية الكبيرة التي تعاني منها أغلب الدول العربية، والتي رفعت الأسعار بشكل جنوني وجعلت الأضحية لمن استطاع إليها سبيلا.

أزمة الأضاحي ليست جديدة على تونس، وإنما تفاقمت منذ العام الماضي، حيث ارتفعت الأسعار وتراجعت أعداد قطيع المواشي، بسبب غلاء أسعار الأعلاف وحالة الجفاف. لكن الأنباء التي انتشرت هذا العام لم يسبق لها مثيل، حيث يرجح أن يصل سعر الخرفان متوسطة الحجم إلى نحو 1500 دينار تونسي (475 دولارا)، بعد أن وصل سعر الأضحية الممتازة العام الماضي إلى 3000 دينار (950 دولارا).

هذه الأرقام أكدها رئيس الغرفة الوطنية للقصابين أحمد العميري الذي شدد على أن “رمزية عيد الأضحى فُقدت في تونس ولم يعد المواطنون قادرين على تغطية مصاريف العيد والاحتفال به وتوفير الأضحية”.

بالفعل، رمزية عيد الأضحى فقدت في تونس، وربما هي مفقودة منذ عقود، فأغلب التونسيين يتعاملون مع أضحية العيد كأصحاب جحا، يحوّلون العيد إلى حفلة شواء، وهي حفلة مستمرة يوم العيد والأيام التي تليه حتى الانتهاء من الخروف، لا يرمى منه شيء، حتى صوفه كانت ربة البيت تملّحه وتجففه وتجعله فراشا لبيتها. بعضهم يذبح أكثر من أضحية للعائلة الواحدة، أضحية مخصصة للشواء وأخرى للمرق. قلة قليلة من تضحي بخروفها للفقراء والمساكين أو تتصدق عليهم ببعض اللحم.

كل ذلك، والغالبية تتعامل مع الأضحية على أنها فرض على كل عائلة مسلمة. قد يستلف البعض ثمنه ويظل دينا عليه حتى يحل عيد الأضحى الذي يليه، لكنه لا يتنازل عن الاحتفال بالعيد، وكأنه يثأر من اللحم الذي صار لا يأكله إلا مرة أو مرتين في العام.

الأضحية سنّة مؤكدة ومستحبة في مذاهب الأئمة الأربعة، وليست فرضًا فرضه الله تعالى بنص قرآني صريح، ورغم ذلك يسير الكثير من المسلمين خلف رأي الأئمة وخلف كل رأي يقول إنها فرض على كل مقتدر، هم في السر يأكلون لحمها وفي العلانية يتفاخرون بإقامة ما توارثوه على أنه “شعيرة من شعائر الله”، ليس المهم صدق النوايا، والقدرة المادية، فهم مثل جحا، تخيفهم القيامة وأهوالها، ويخيفهم الله الذي صُوّر لهم أنه جلاد ينتظر القصاص منهم في أول فرصة.

حنان مبروك

صحافية تونسية

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه