هذا ما تبقى من فرنسا

بقلم الكاتب عبدالله البقالي حزيران/يونيو 05, 2024 74

هذا ما تبقى من فرنسا

الكاتب عبدالله البقالي

الواضح من تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول اعتراف فرنسا بالدولة الفلسطينية ، أن قصر الإليزيه لا يملك قراره السيادي بيده ، وأن الأمر مرتبط بمراكز قرار توجد خارج هذا القصر. فهو من جهة ينفي وجود محرمات بالنسبة لفرنسا ، وأنه على استعداد للقيام بنفس ما قامت به إسبانيا و أيرلندا و النرويج ، التي اعترفت حكوماتها بشكل رسمي بالدولة الفلسطينية ، لكنه مقابل ذلك قال إنه “ لا يريد الاستسلام للعاطفة “ وأن هذا الاعتراف يجب أن يأتي في الوقت المفيد “ .
لا ندري ما إذا كانت الرئاسة الفرنسية، تعاملت بالعاطفة أم بالعقل، حينما أغدقت بمختلف أشكال الدعم على قوات الاحتلال الصهيوني، لتمكينه من اقتراف جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة ، وكانت بذلك مشاركة فعلية في قتل عشرات الآلاف من المدنيين من أطفال و نساء و شيوخ و أطقم طبية وإسعافية ؟ و لا ندري ما إذا كانت هذه الرئاسة قد اعتبرت الوقت مناسبا حينما شاركت في اقتراف جرائم أضحت محل إدانة دولية واسعة ، بما في ذلك من طرف أوساط فرنسية ؟
قضية اعتراف فرنسا بالدولة الفلسطينية مرتبطة أشد الارتباط بعوامل أخرى لا علاقة لها بالعاطفة و لا بالتوقيت المناسب، بل لها علاقة قوية ومباشرة بالقوة الفتاكة لمجموعات الضغط الصهيونية المتمكنة من مفاصل الدولة الفرنسية العميقة .
في فرنسا يعيش أكثر من 600 ألف يهودي، بنسبة لا تتجاوز 1 بالمائة من مجموع سكان فرنسا، أغلبهم يقبض برقبة الدولة ويتحكم في سياساتها الخارجية. في فرنسا يوجد 60 نائبا في الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان) من مزدوجي الجنسية الفرنسية الإسرائيلية وهم من ديانة يهودية. في فرنسا تملك أوساط يهودية صهيونية أكثر من 90 بالمائة من وسائل الإعلام التي تتبنى جرائم الكيان الصهيوني تشن حملة عنيفة ضد المعارضين لها، وتتهمهم بمعاداة السامية، وهي التي تكلفت كحمالة حطب بتسويق الجرائم الصهيونية في غزة . في فرنسا توجد أكثر من 300 مؤسسة تعليمية خاصة من مدارس النخبة مملوكة لرؤوس أموال يهودية مرتبطة بالصهيونية، وأكثر من 80 بالمائة من هذه المؤسسات تتلقى الدعم المالي المباشر من الدولة الفرنسية. في فرنسا تنشط أكثر من مائة جمعية ومنظمة يهودية كبرى مرتبطة بإسرائيل وتتلقى دعما ماليا هائلا من الأوساط اليهودية الصهيونية من داخل فرنسا ومن خارجها.. وجميع هذه الترسانة الإعلامية والتربوية والسياسية و الأهلية تشتغل وفق أجندة معينة ومحددة بدقة تتمثل في مناهضة معاداة السامية و مكافحة الإسلامفوبيا والإرهاب والحجاب والتصدي للمساس بعلمانية الدولة وبث قيم العنصرية والكراهية و التمييز ضد الآخر، الذي هو فقط العربي والمسلم .
بينما يوجد في بلاد ديغول سبعة ملايين مسلم بنسبة تفوق 10 بالمائة من مجموع السكان، غير ممثلين ولو بنائب واحد في البرلمان الفرنسي، ويملكون 1 بالمائة فقط من وسائل الإعلام الفرنسية. وتوجد 30 مؤسسة تعليمية فقط مملوكة لمستثمرين مسلمين ، 3 بالمائة منها فقط تتلقى الدعم المالي من الدولة الفرنسية، وتواجه حملات مغرضة . بينما تحظر السلطات الفرنسية أية أنشطة مدنية و أهلية لجمعيات عربية و إسلامية .
فرنسا العميقة هي التي تقبض بالقرار السيادي الفرنسي فحينما تعلق الأمر بدعم فرنسا لأوكرانيا لم يحتم الرئيس الفرنسي بالعاطفة ولا بالتوقيت المناسب، بل انخرط في الحرب منذ اليوم الأول ، لأن الخطوة كانت تتناسق مع توجهات و إرادات الدولة الفرنسية العميقة .
تصريحات الرئيس الفرنسي تحط من قيمة بلاد ثورة 1789 التي تعتبر ملهمة الثورات الأوروبية، التي خلصت دول القارة العجوز من الأنظمة الديكتاتورية المغلقة ، وتفرغ شعار الجمهورية الخامسة ( حرية ، مساواة ، أخوة ) من محتواه ، وتعمق أزمة الهوية الأخلاقية لدولة انساقت وراء قوة الظلم و الاستعباد و الإبادة .
هذا ما تبقى من فرنسا يا سادة !

المصدر : صحيفة الزوراء

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه