الفَاجِعَةُ النُّكْرُ

بقلم علي الجنابي حزيران/يونيو 14, 2024 108

علي الجنابي

(أنبأني فوجٌ من النَّملِ أنَّ صَغيرتي ودونَ أن تَشعُرَ، قد دَعَسَتْ صَديقتيَ النَّملة التي كانَت جليسَتي كلَّ فجرٍ وكانت أنيسَتي على مدى سنينَ خلونَ)، فقلْنَ؛
- إنّها يا سَيِّدي نَكبَةٌ ما بعدَها نَكبَة في بَلاها! لقد فَجَعَتنا صغيرَتُكَ بسَيِّدَتِنا النَّملةِ "دِلدِلَ" فدَعَسَتها بخطوةِ من خُطاها، هنالِكَ حَذوَ شفا العُدْوَةُ إيّاها.
- يا وجَعَاهُ، خُذونيَ إليها لأراها، فأتوجَّعُ لوجعِها وبلواها..
- هيَ ذِيْكَ هناكَ يا سَيِّدنا تَرَاها، تُضارعُ أرجلاً أربعاً فَقَدَت وتَراها، مُستلقِيَةً على ظهرِها تُصارعُ خَطْبَها وعطبَها وتَرَاها، تُقارعُ مُستَعليةً على كَربِها وكَلماها، فواهاً يا سَيِّدي ثمَّ واهَاً واها، ما كانَ السَّعدُ سَعداً في مساكنِنا لولاها.
- وَيلي دُليدِلَ! وَواهَاً دِلدِلَ ثُمَّ واهَاً واهَا . يا لَيتَ بَلاها بنا بلاها. ألا يا بَلاها ليتَكَ بنا بلاها. ألا لَيتَ أرجلَنا فدَاها، بِثَمَنٍ نُرضي بِهِ وَجْعاها، وتلكَ هِيَ الأمَانيُّ لَو أَنَّنا نِلناها، فمَا لنَا مِن أمَانِيّ عَداها. وثَمَّةَ آهٌ وآهٌ وأوَّاهٌ تَنحَبِسُ فتَنبَجسُ دُموعُ العَينِ مِن جَرَّاها. ولقدبلغَ بَهاءُ "دِلدِلَ" وضياهَا في وَجدِيَ من الحدودِ منتَهاها. حَمداً للهِ ﷻ دُلَيدِلَ أنَّ النَّبضَ مازالَ عاملاً في مَراسِيَ مُقَلِكِ ومَجرِاها؟
- نعم سَيِّدي، لهُ الحمدُ ﷻ، ولُطْفَ قَضائهِ أسألُهُ في أخراها. أولاءِ هنَّ أرجليَ الأربع قد أُحْصِرنَ بينَ حُصياتِ سَوآها، إذ تَقطَّعنَّ مِن خِلاف فبتُّ باثنتينِ أسوةً بزَوجِكم في حِماها ههههه. أتَوَسَّلُ إليكَ ألّا تَغتَمَّ ولا تَحزَنَ وخَفِّفْ من السِّيجارِ، بل بَلاها. وهلّا قَصَصتَ ليَ يا سَيِّدي طُرفةِ خالتِنا بقهقهاتِها الحُلوة إيَّاها؟
- أوَتتَوَسَّمينَ منّي في ذا مَآلٍ طُرفة يا مُقلَةَ الرُّوحِ وسنَاها! وَيْه! ...
وَيْهُ يا وحشةً في الدَّار في فجرِ غدٍ جاري. وَيْهاً يا بَسمةَ هَمسِي ويا سبرَ أسراري. أفَتتَوَسَّلينَ في ذا مآلٍ ألّا أهْتَمُّ يا مَعبدَ فَجري فيهِ ابتِهَالاتي. كيفَ لا أغْتَمُّ وقد مُتُّ بَعدَكِ فلا طَرفاً لنَظراتي ولا تَرفاً لِرَاحاتي ولا عُرفاً لراياتي. أفَلا أهتَمُّ وأحزَنُ وقد بِتُّ بخَيطِ اليأسِ أنظُمُ خَرَزَاتي . أَيا نُمَيلةَ ما أَنصَفَ الدَّهرُ فتَعالِي نتَقاسَمَ العَبَراتِ، أيا نُمَيلَ تَعالَي تَرَي روحاً لَدَيَّ ضَعيفَةً تَفصِمُ ذاتي . فأنا مُتهرِّئٌ مِن بَعدِكِ ومُكَبْكَبٌ أنا، ومُخَبخَبٌ بَعدَكِ في غُبِّ مأسَاتي، فلا العَوَامُ تَدري فتَعذُرُني من مُعاناتي، ولا الهَوَامُ تَسري فتَحضُرَني في نِداءاتي. وكيفَ لا أغتَمُّ يا بهجةَ أذكاري حِينَ إظهاري، ويا لهجةَ أفكاري حين إضماري! وأنَّى لشَفَتَيَّ محوَ اسمَكِ من حكاياتي. ومتى إذاً أغْتَمُّ يا جَذوةَ الأُنسِ في سَمَواتي. كيفَ وقعتِ الواقعةُ يا بَوْحَ أخباري مِن فَوْحِ ابصاري؟
- كادَت تَطَأُ قدمُ أمِيرَتِنا وهيَ غافلةٌ إبرةً بينَ أحْجَار، فمَادت جَوارحي تَهرعُ لإنقاذِها من وخزةِ آلمٍ بأضرار، فدَسستُ رأسَ الإبرةِ تحتَ حُصَيةٍ بين أحجَار، بيدَ أنَّ قدمَ القدرِ قد سَبقتني بأشبَار، فسَحقَت أربعَ أرجلٍ مِنّي فخَرَجتُ خاسِرةً مِنَ المِضمَارِ، وانتهتِ الصَّولَةُ بأربعةٍ لصغيرَتِنا وانتَهيتُ أنا إليكَ بالأصفار. ولقد حُقَّتْ عليَّ مَقولَةُ الأقدارِ، رُغمَ حُنْكَتي من طَول أطوَاري ورَغمَ حِكْمَتي من هَول أسفاري. ثمَّ تَمَرَّغتُ لهُنيهَةٍ من وَجَعٍ ما جَرَعتُ مثلَهُ قطُّ من قبلُ في استِقراري ولا حينَ استِنفَاري. ثمَّ تفَرَّغتُ أراقبُ رِشوةً بينَكما عن بُعدٍ بانبهارِ، وبخَمسة عُيونٍ هن أنظاري إذ كُنتُما تَتَعاطيانِ رِشوةَ الدِّينار.
- أوّاه يا نُميل مِن سُنَنِ الأقدار وما زَوتْ مِنَ شَراسَةٍ وأخطار، تَخُضُّ نبضَ المَرءِ بِرَجَّاتٍ تَجعلُ من نَظَراتِهِ غَائِراتٍ بلا اختيار، ومن نبضَاتِهِ خائِراتٍ بلا اقتِدار، كخُوارٍ عِجلٍ أسيرٍ بينَ فكوكِ مُفترساتٍ ضَواري، فإذ بالنَّبضِ يَظنُّ بها أنّها سُنَنٌ جائِرة تَفخَرُ بخُيلاءَ معَ الفُجَّارِ، وتَسخَرُ بازدراء من الأخيار. ثُمَّ تَرَيْنَ النّبضَ لظُنونِهِ خافياً ولفُتُونِهِ نافياً في سَحيقِ أغوارِ، خشيةَ ألّا يُقذَف بإلحادٍ وإنكار. ثُمَّ لتَرَيْنَّهُ يَختمُ على الظُّنونِ بختمِ تَجَمّلٍ من "تعاطفٍ وإنكارِ".
ما أنتِ يا نُميلَ إلّا نَدَيمٌ وَديعٌ لا يَدورُ ولا يفري افتراءَ فجَّار. ولا يَجورُ ولا يشتري شراءَ تجَّار، فعَلامَ مَضى القَدمُ دَعْسَاً على نَملةٍ وَاهية لا تجيدُ لواذاً بفرار، وبأيِّ ذَنبٍ أرَاها تتلَوّعُ وتُكَبُّ وتَتَرَوّعُ في سَعيها إذ تَدُبُّ وتُداري!
أيَّ نُمَيلَ، هلّا رَدَدتِ عليَّ بجَوابٍ عن التَّزَلُّفِ والتَّكلّفِ والتَّفلسفِ عَارِ؛
لمَ قضى القَلمُ بالألمِ عليكِ بإقرَار، وعَلامَ ارتَضى أن يختمَ عليكِ بالسَّأمِ بإجبَارٍ وإصرارِ، وما أنتِ إلّا ثَقبٌ أسودٌ في مَجَرَّةِ الوَهنِ سَاري.

(وكانت تلك صفحة مقتطعة من مسودة كتابي " حواري مع صديقتي النملة").

قيم الموضوع
(1 تصويت)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه