تساؤلات عن الديمقراطية المزعومة

بقلم سمير داود حنوش حزيران/يونيو 15, 2024 73

تساؤلات عن الديمقراطية المزعومة


النظام في الولايات المتحدة يمتلك من المرونة ما يمكّنه من منع انزلاق الأمور إلى فوضى عارمة لأنها ضمن دائرة الممكن، إضافة إلى امتلاك هذا النظام أدوات ضاغطة والإعلام المستعد لكشف المستور.
الحكومة الأميركية في واد والشعب في واد
انشغل الشارع العربي وتحديداً العراقي بالاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين والمنددة بالحرب الإسرائيلية على قطاع غزّة التي انطلقت من الجامعات الأميركية، حتى راح البعض من النُخب الحاكمة في بلدنا إلى حدّ تصوير مشاهد التظاهرات بأنها لطمة وجهتها تلك الجموع الثائرة إلى وجه الإدارة الأميركية المتحالفة مع إسرائيل في عدوانها، وتناست تلك النُخب المتسلطة مشاهد مصادمات أحداث تشرين وما رافقها من قتل مارسته جماعات لا تعتبر أبناء جلدتها من فصيلة البشر، وراح ضحيتها أكثر من 700 شاب وجرح الآلاف، لمجرد أنهم طالبوا بوطن يوفّر لهم حياة كريمة وفرص عمل.

المفارقة أن تلك الاحتجاجات والتظاهرات الأميركية وجدت الحيّز الكبير من ردود الأفعال للأحزاب العراقية الحاكمة ووسائل إعلامها حول الكيفية التي وصلت إليها تلك التظاهرات من الهستيريا، بحيث راح البعض يملي المسامع ويهدر الكثير من الحبر عن الديمقراطية وحرية التظاهر، إلى درجة الدعوة إلى مؤسسات دولية لأخذ زمام المبادرة والتدخل لإنقاذ الطلبة المتظاهرين في الولايات المتحدة، وكأنه محاولة تقليل من الذنب تجاه ما يحدث كل يوم من قمع لمتظاهرين يطالبون بفرص عمل، ويفترشون أرصفة الشوارع لتتصدى لهم رشقات المياه الحارة التي تطلقها قوات مكافحة الشغب، أو مناسبة لتغيير الأجواء عن الإعلام الذي شعر بالملل من دعوات المحرومين والجياع في بلادهم إلى التظاهر بسلمية.

◄ ربما لم ينس العالم كلمات رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي مخاطبة دونالد ترامب رئيس أكبر دولة في العالم سلطة ونفوذاً حين قالت "لا أحد فوق القانون"

وأغلب الظّن أن قضية فلسطين وقتلاها أبعد ما تكون عن مخيلة هؤلاء المسؤولين وهم يشاهدون تلك التظاهرات فهي إما لإسعادهم أو للتشفي.

ما يدور في تفكير هؤلاء سيقود إلى محصلة وهي إذا كان النموذج الديمقراطي للولايات المتحدة يعجّ بكل تلك الفوضى فكيف بشعوب البلدان المقهورة التي تستخدم أنظمتها الحديد والنار في قمع انتفاضاتها؟

يتناسى هؤلاء أن النظام في أميركا يمتلك من المرونة ما يمكنه من منع انزلاق الأمور إلى فوضى عارمة لأنها ضمن دائرة الممكن، إضافة إلى امتلاك هذا النظام أدوات ضاغطة كالإعلام المستعد لكشف المستور والحقائق مهما تختفي وراء أقنعة الهيمنة السياسية، وكذلك القضاء المستعد لاستدعاء حتى رئيس الولايات المتحدة للمثول أمامه.

بالتأكيد من يقرأ هذه الكلمات سيضعنا في دائرة الانحياز للنموذج الأميركي وحقوق الإنسان حول العالم.

في 25 مايو 2020 انشغل العالم وإعلامه بمقتل مواطن أميركي من أصل أفريقي يُدعى جورج فلويد مختنقاً تحت أرجل شرطي أميركي في ولاية مينيسوتا، كان الدرس بليغاً حين أُزهقت تلك الروح ظلماً دفعت الناس للنزول إلى الشوارع حيث رافق البيض السود في تظاهراتهم رافضين لفعل شائن يشعرون أنه سيطالهم جميعاً إن تغاضوا عنه.

◄ أغلب الظّن أن قضية فلسطين وقتلاها أبعد ما تكون عن مخيلة هؤلاء المسؤولين وهم يشاهدون تلك التظاهرات فهي إما لإسعادهم أو للتشفي

كان هناك إحساس بالإهانة الشخصية في مثل هذه القضايا التي تختفي عن مجتمعاتنا بفعل الاستبداد والتسلط، فالنادر أو الميؤوس منه أن يثور الجميع أو الأغلب حين يطال الظلم فرد أو مجموعة حتى أصبح من اليقين أن ذلك الظلم سيطال الجميع.

لا أستحضر مشهد البروباغندا في هذه الكلمات، ولا تأخذنا العزّة والفخر بالنظام الأميركي الذي لا يخلو من عيوب قد تكون قاتلة، فهو نظام يجمع الصالح والطالح وربما يكون ما فوق ليس كما تحت.

انشغلت النُخب السياسية بتظاهرات الجامعات الأميركية التي ترفض قتل النساء والأطفال العُزّل لتؤكد لجماهيرها ومؤيديها أن الحكومة الأميركية في واد والشعب في وادٍ آخر، وكأنها تعكس الصورة الحقيقية التي تعيشها مع شعبها الذي يدرك جيداً أن القضية الفلسطينية بالنسبة إلى النُخب الحاكمة ما هي إلا ورقة مزايدة سياسية وتجارة في كلام منمّق ليس أكثر.

ربما لم ينس العالم كلمات رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي مخاطبة دونالد ترامب رئيس أكبر دولة في العالم سلطة ونفوذاً حين قالت “لا أحد فوق القانون”.
سمير داود حنوش
كاتب عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه