الطقوس والرسالة

بقلم صابر بليدي حزيران/يونيو 18, 2024 89

الطقوس والرسالة


لما يرفع الغرب خطاب الإسلاموفوبيا، نمتعض كمسلمين ونتهمهم بالعنصرية والعدائية، لكن الامتعاض الحقيقي يتوجب أن يبدأ من سلوكات وممارسات المسلمين أنفسهم.

تكلفة النقل أصبحت مكلفة
من الأراضي السعودية إلى الجزائر وعلى محاور مختلفة، وصلت تكلفة نقل في ذروة الحج وعلى مسافة أربعة كيلومترات إلى 60 دولارا، وفي عيد الأضحى اضطرت آلاف العائلات الجزائرية إلى التنازل عنها، لأنه ليس بإمكانها توفير المبلغ اللازم لاقتنائها.

المسألة ليست تحولا اجتماعيا واقتصاديا استثنائيا فقط، بل تحمل دلالات عميقة عن إصابة خطيرة ألمت بالمجتمعات الإسلامية، فهي على تباهيها بدينها وبأعيادها لم يبق لها إلا المظاهر والطقوس، أما لب الرسالة الدينية الحاملة للقيم الإنسانية فتلاش تحت سطوة الجشع والتربح ولا تهم الوسيلة.

واختصرت تدوينة على فيسبوك، مفادها “في أعياد الكفار تنزل روح التضامن والتلاحم وتتحول الأسواق إلى فضاء للتخفيضات من أجل توسيع إمكانية الاستهلاك إلى جميع الناس، وفي أعياد المسلمين تشتعل الأسعار وممارسات الجشع والابتزاز وتغلب الأنانية على الأشخاص”.

ما يحدث في المجتمعات المسلمة في الأعياد والمناسبات، يقدم صورة سوداوية عنها وعن الدين الإسلامي، لأن القيم والمقاصد التي يروج لها في الخطب ودور العبادة أفرغت من محتواها ولم يبق إلا مجموعة من الطقوس والأعراف التي لا يمكن أن تقيم دينا ولا دنيا.

أن يصبح سعر التنقل على أربعة كيلومترات 60 دولارا، وأن يصبح سعر أضحية بألف أو ألف وخمسمئة دولار، فذلك لم يحدث إلا تحت يافطة الإسلام، وباسم التربح المشروع الذي يتيحه لأتباعه يتم حرمان مسلمين آخرين من أداء بعض من أصوله، وهذا أمر يسوق صورة مشوهة تنضاف إلى صور أخرى مماثلة.

لما يرفع الغرب خطاب الإسلاموفوبيا، نمتعض كمسلمين ونتهمهم بالعنصرية والعدائية، لكن الامتعاض الحقيقي يتوجب أن يبدأ من سلوكات وممارسات المسلمين أنفسهم، مع أنفسهم ومع غيرهم، فأي مبرر يمكن أن يحمله أمثال ممتهني نقل الأشخاص أو مربي المواشي، لأن تصل بهم الأنانية والجشع إلى درجة حرمان مسلمين مثلهم من قضاء حوائجهم.

ويجدر التساؤل عن الفرق بين حكومات “كافرة”، تتخذ تدابير اجتماعية واقتصادية خاصة بفئة المسلمين لما تحل مواسمهم وأعيادهم، وبين حكومات “مسلمة”، تجلس في وضع المتفرج على مسرحية “هذا يأكل ذاك”، في هذه الحالة “الكفار” هم الذين سوقوا صورة إيجابية عن كفرهم، و”المسلمون”، هم من يسوقون صورة سلبية عن إسلامهم.

إلى وقت قريب كان ضعاف المجتمع لا يظهر لهم أثر في مثل هذه المناسبات، لأن روح التضامن تغطي عليهم، لكن خلال هذا العيد انعكست الصورة تماما، فتحولت القدرة على الأضحية هي الأقلية التي تخجل من قدرتها، أمام توسع دائرة الحرمان باسم “الاسترزاق الحلال” في مواسم الدين.

صحيح الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية ليست مريحة في معظم العالم الإسلامي، لكن أن يستفيق المسلم على فقدان شعيرة دينية ومحطة اجتماعية بسبب الفقر، أو مقتضى ديني جديد فرض نفسه، سيزيد من عمق الشرخ والفردانية والأنانية، التي تقدم هدية مجانية لمن يريد تفكيك المفكك وتجزئة المجزأ.

صابر بليدي
صحافي جزائري

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه