كيف نتعامل مع ظاهرة الفوركس

عمر سعد سلمان

تشير كلمة فوركس الى سوق العملات الأجنبية والبورصة العالمية للعملات الأجنبية، وهو سوق يمتد في جميع انحاء العالم ويتم تداول العملات من قبل عدة مشاركين (البنوك العالمية والمؤسسات الدولية والأسواق المالية والمتداولون الافراد) واستطاع هذا السوق استقطاب مجموعات كبيرة من المستثمرين بفضل وسائل الاتصالات الحديثة.

بالإضافة الى سوق العملات توجد انواعاً أخرى من البورصات مثل بورصات المعادن وبورصات الطاقة وأسواق الأسهم وأسواق السلع وأسواق السندات، وهناك نوعان من البورصات: بورصات التداول المباشر وبورصات التبادل عبر شبكات الاتصال، وتتبع تجارة الفوركس بورصات التبادل عبر شبكات الاتصال، حيث يتم فيها بيع وشراء العملات والسلع عن طريق الانترنت في وقت واحد بين مئات البنوك حول العالم، فهناك مئات الملايين من الدولارات تباع وتشترى كل بضع ثوان، وأصبح المستوردون والمصدرون يمثلون اقلية لا تتعدى 3%. وهناك احصائيات تشير الى ارتفاع حجم التداول 20% من عام 2007 ولغاية 2010 نتيجة زيادة النشاط التجاري وظهور المستثمرين الافراد، وخفض تكاليف المعاملات وبالتالي زادت السيولة في السوق. وتعتبر بريطانيا أكبر المناطق من حيث حجم التداول بنسبة 35.8% من اجمالي حجم التداول العالمي، تليها الولايات المتحدة بنسبة 13.9% ثم اليابان 6.7% وسنغافورة بنسبة 6% ويتوزع باقي حجم التداول على سائر دول العالم.

ويلاحظ من هذه الاحصائيات ان تجارة الفوركس أصبحت من أكبر الأسواق على مستوى العالم، ومن الطبيعي ان تحظى تلك التجارة باهتمام الدول المتقدمة من خلال سن القوانين اللازمة لممارسة ذلك النشاط، على عكس الوضع في الدول العربية، مما ينعكس بالسلب على اقتصاديات الدول العربية من خلال التأثير السلبي على المدخرات والاستثمارات والبنوك وكفاءة أسواق المال.

وتشمل أسواق الفوركس أربعة أسواق إقليمية (الامريكية والأوروبية والأسترالية والاسيوية) وتستمر عمليات المتاجرة كل أيام الأسبوع عدا يومي السبت والأحد، وبخلاف معظم أسواق المال فان سوق الفوركس سوق خارج المقصورة، أي ليس له مكان مادي او مركز تداول فالتداولات مفتوحة الكترونياً طوال 24 ساعة. ومع دخول الانترنت أصبح ممكناً استخدام فتح الحسابات والمتاجرة في الأسواق الدولية، وتتم عملية التداول على زوج من العملات الأجنبية مثل اليورو مقابل الدولار، ويكون السعر هو عبارة عن عدد الوحدات من عملة التسعير (اليورو) التي تعادل وحدة واحدة من عملة الأساس (الدولار)، ويقوم المتداولون بشراء زوج عملات إذا توقعوا ارتفاع عملة الأساس على حساب عملة التسعير، بينما يقومون بالبيع إذا توقعوا العكس. ويتم التداول الالكتروني على الفوركس نظام الهامش او بنظام الرافعة المالية عن طريق وسطاء، وهو ما يعني ان المتداول يقوم بإيداع مبلغ لدى الوسيط على شكل تأمين لهامش الخسارة التي يمكن ان يتحملها، وبالمقابل يتيح للمتداول إمكانية التداول على مئات الاضعاف من قيمة هذا الهامش قد تصل الى 400 ضعف الهامش ويجعل الرفع المالي إمكانيات الربح كبيرة جداً تصل الى اضعاف المبلغ المستثمر، ولكنها سلاح ذو حدين حيث يمكن ان تقضي الخسارة على كامل المبلغ المودع من قبل العميل، وفي بعض الأحيان تتخطى قيمة خسائره قيمة المبلغ المستثمر، مما يجعله مطالباً بسداد مبالغ كبيرة للوسيط. وعلى الرغم من ان تجارة الفوركس تعتبر أكبر سوق لتداول العملات والأوراق المالية والسلع على مستوى العالم، الا انها في نفس الوقت تعتبر الأقل تنظيماً وتشريعياً، حيث يتم التداول دون قيود او شروط او متطلبات تنظيمية.

لقد زادت أهمية هذه الأسواق بزيادة النشاط الاقتصادي والاستثماري وتنامي مفهوم الاستثمار المالي لدى الافراد، وكان من نتيجة الفضائح المالية في الصناعة المصرفية التركيز على المخاطر التشغيلية التي جزء منها الفوركس، وتنتج المخاطر التشغيلية في سوق الفوركس من مشاكل التسعير والتقييم وسوء التخطيط وضعف الاشراف والخطأ البشري، وتثبت الازمة المالية والانتقادات الموجهة لمهنة المحاسبة اخفاق المحاسبة في قياس وتقييم مخاطر بعض الأنشطة من ناحية والافتقار الى الشفافية وعدم كفاية الإفصاح عن المخاطر من ناحية أخرى.

ان القائمين على تجارة الفوركس يمارسون نشاطهم من خلال انشاء شركات وهمية، ويتم جذب العملاء من خلال اغرائهم بالأرباح الكبيرة ولكي لا يقعوا تحت طائلة القانون فأنهم يبرمون عقوداً مع عملائهم فحواها إدارة أموالهم، ومن ثم يقوم هؤلاء العملاء بإيداع الأموال في حسابات بأسماء عملاء لا وجود لهم في البلد، ومن خلال عقود إدارة الأموال يتم تحويل هذه الأموال للبنوك الأجنبية وتبدأ معاناة العملاء عند طلبهم سحب جزء من ارباحهم او رؤوس أموالهم.

وبالرغم من ان حجم تجارة الفوركس كبير الا ان المعايير المحاسبية في الوقت الراهن تفتقر لوجود معيار محاسبي يتناول مخاطر الفوركس. وحتى الدراسات المحاسبية في مجال الفوركس محدودة وتقتصر الدراسات حول الفوركس على الجانب الاقتصادي والتمويلي فقط.

ونظراً لضخامة حجم الأموال المهربة من الدول العربية نتيجة ممارسة تجارة الفوركس ورغبة المستثمرين في تحقيق أرباح كبيرة، قد ينخفض أداء البورصات العربية بسبب سحب بعض العملاء لاستثماراتهم في البورصة المحلية لأسواق العملات الأجنبية، مما قد يؤثر بالسلب على أداء البورصات العربية بصفة خاصة.

تكمن المشكلة في ان عمليات التداول بالفوركس تتم خارج سيطرة الجهات الرقابية والإشراقية مما تشكل تهديداً للاقتصاد الوطني، وذلك لهروب مليارات الدولارات خارج السوق المحلي من قبل صغار المستثمرين من خلال الخداع والتضليل من قبل الوسطاء في تجارة الفوركس واغراءهم بتحقيق أرباح ضخمة، ولا يخفى على احد ان اقتصاديات الدول العربية في اشد الحاجة الى العملات الأجنبية والاستثمارات، خصوصاً مع وجود بطالة كبيرة وعجز في موازنتها السنوية، وتجارة الفوركس ساهمت في سحب المدخرات من صغار المستثمرين وهروبها خارج حدود الدولة مما يستدعي اخذ التدابير اللازمة للتعامل معه.

نحتاج الى اصدار معيار محاسبي عراقي لمخاطر الفوركس في السوق العراقي وتفعيل دور الأجهزة الرقابية متمثلة في هيئة الأوراق المالية والبنك المركزي العراقي وسوق العراق للأوراق المالية وغيرها من الأجهزة المعنية لاتخاذ خطوات جادة وعملية لتقنين تجارة الفوركس التي تتصف بأنها عالية المخاطر لانها تتم خارج البورصات، وان المعاملات ليست تبادل بل هي اتصال الكتروني للوصول الى الوكيل الخاص بالعميل الذي يربطنا بالمنصة، وان الأموال المستثمرة في الفوركس لا تخضع للحماية التنظيمية، حيث ترتبط حقوق المستثمر في الفوركس بالعقود المبرمة بين الوكيل والعملاء فقط. والجانب الأخطر في الفوركس هو ان الوكيل يقوم بتوفير أسعار مختلفة لعملاء مختلفين للمعاملات في الوقت المناسب بطريقته الخاصة وقد لا تعكس الأسعار المتاحة في أي مكان اخر وفي أي تبادل فيما بين البنوك او في أي أسواق أخرى للعملات الأجنبية. ونظراُ لصعوبة منع هذا النشاط في العراق لانه يعتمد على التحايل على القوانين من جهة وقدرته على استغلال التطور التكنولوجي من جهة أخرى، فأنا أؤيد تشريع قوانين خاصة بتجارة الفوركس للتعامل معه.

كما تبرز الحاجة الى اصدار نشرات توعية وارشادية من الجهات ذات العلاقة، بالإضافة الى عقد ندوات تمكن المستثمرين من تقييم حجم مخاطر تجارة الفوركس في ظل الوضع الراهن، ولكي لا يقع صغار المستثمرين ضحايا لوسطاء وسماسرة تلك التجارة. ونحتاج الى تمكين البنك المركزي العراقي من ممارسة دوره في الرقابة على البنوك التي تملك حسابات تسمح بإدارة الأموال وليس استثمار الأموال.

واخيراً لا بد من حصر الجهات التي تتعامل بتجارة الفوركس ووضع الضوابط لها في الترويج والتسويق الذي يعتمد بالدرجة الأساس على الانترنت، ووضعها تحت رقابة لجان خاصة لها القدرة على البحث وتقصي الحقائق حول نشاط الفوركس.

قيم الموضوع
(0 أصوات)
عمر سعد سلمان

كاتب عراقي

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه