ardanlendeelitkufaruessvtr

بطالة المتعلمين ، من ورائها ..

 

د. تحسين الشيخلي

البطالة آفة المجتمعات ، و جميع المجتمعات تعاني من هذه الظاهرة ، والعراق على غرار غيره من الدول يعاني من ظاهرة البطالة وتفاقمها ، ولكن أهم ما يميز هذه الظاهرة بالعراق كونها بطالة متعلمين بالدرجة الأولى....
ما من شك ان العراق عانى من أزمات وحروب، تحول دون قدرة حكوماته على دعم قطاع الأعمال سواء العام او الخاص ، بالإضافة إلى انعدام التنمية السياسية، التي يجب أن تؤثر في تطوير الوضع الاقتصادي. والاعتماد على اقتصاد ريعي من الموارد النفطية فقط مما أدى الى تقلص فرص العمل المتاحة، فيما لم يتوقف نمو حجم المؤهلين، و الذي تسبب لاحقاً في عدم تكافؤ عدد الفرص مع عدد المؤهلين، وتجسد في مشكلة البطالة.
كما ان عدم قدرة المجتمع على تطوير أفكار مشاريع جديدة بعين الاعتبار، بالإضافة إلى مخرجات العملية التعليمية، التي تنتج أحياناً أجيالاً مؤهلة للاستجابة لليأس، أو الاستسلام لانسداد الأفق كلها عوامل في استشراء ظاهرة البطالة .
والسبب وراء بطالة المتعلمين ليس فقط في سوق العمل وعدم قدرته على استيعاب كل الخريجين ، بل في عدم مواءمة التعليم الجامعي مع متطلبات سوق العمل .
الخلل في سياسات التعليم بالدرجة الاساس .و أصل المشكلة هو السياسة التي انتهجتها وزارة التعليم العالي والمتمحورة في توسيع مخرجات التعليم العالي على اعتبار أنه لا يمكن الخروج من التخلف إلا بإنتاج أكبر عدد من المتعلمين ودمجهم ضمن خطة التنمية دون مراعاة ما هو لازم ومطلوب ، واعتماد سياسة القبول في الجامعات و المعاهد على اساس التعليم للجميع و أن لكل خريج من الدراسة الثانوية مقعد دراسي في الجامعة او المعاهد . لذا تطلب ذلك التوسع في استحداث جامعات جديدة و أطلاق تأسيس جامعات و كليات أهلية .
في حين ان هذه السياسة التي ادت الى ضخ مخرجات متعلمة لا تجد فرص عمل حقيقية ساهمت في تهميش المتعلم والجامعة ولم تعد تعتبره عنصرا من عناصر النمو، بل عائقا من عوائقه.
هذه السياسة ساهمت في التقليل من قيمة ودور الجامعات وعدم قدرة الجامعة على الاندماج في الاقتصاد الوطني رغم أن وظيفتها التقليدية هي التكيف مع المحيط.
والملاحظ ان التعليم العالي يزيد في الإنتاج وكأنه مؤسسة إنتاجية حقيقية او مصنع للعب الاطفال ، دون مراعاة ما يحتاجه المجتمع والاقتصاد الوطني، حيث نرى بشكل واضح أن المهمة الأساسية لجهاز التعليم العالي أصبحت إنتاج حاملي الشهادات العليا دون الأخذ بعين الاعتبار خاصية (التخصص). إذن ما هو مهم بالنسبة للجهاز التعليمي هو الكم وليس النوع الذي يفترض يطلبه سوق العمل المتمثل في المؤسسات التي مع الاسف هي الاخرى تجهل عدد النوع المطلوب. وبالتالي كانت النتيجة هي القطيعة بين جهاز التعليم العالي وسوق العمل، و التي يدفع ثمنها حامل الشهادة ببقائه في حالة بطالة.
وطبعا لا يمكن تبرئة سوق العمل بالكامل عن الاسهام في المشكلة، خاصة مع سياسات التعيين العشوائية و الفوضوية و المعتمدة على عوامل لا تمت الى تخطيط حقيقي في استثمار الموارد البشرية ، فضعف سوق العمل الناجم عن ضعف الاقتصاد الوطني و اعتماده على النفط و تهميش قطاعات الصناعة و الزراعة و القطاع الخاص هو أيضا سبب مهم في بطالة حملة الشهادات.لا سيما وان تهميش هذه القطاعات مع وجود أعداد هائلة من العاملين فيها جعل سوق العمل يعاني من مشكلة مستعصية متمثلة ببطالة مقنعة تستنزف موارد الدولة الريعية بالاساس وبدون انتاج .
إن المدة التي يستغرقها الفرد في التعليم بصفة عامة والتعليم العالي بصفة أخص تتطلب تكاليف كثيرة يتحملها الفرد والمجتمع معا وهذه التكاليف يبررها العائد الخاص من وجهة نظر الفرد للحصول على أفضل الوظائف وأحسن أجر، وكذلك العائد الاجتماعي من وجهة نظر المجتمع ويتمثل في الارتفاع بإنتاجية العمالة المؤهلة ككل، وإن عدم التناسق بين مخرجات التعليم العالي ومتطلبات سوق العمل قد أدى إلى تراجع عائد هذا التعليم، وبالتالي زيادة في المعروض من حاملي الشهادات الجامعية عن حاجة سوق العمل، وعدم التجانس في هيكله من خلال العجز في بعض التخصصات مقابل فائض في تخصصات أخرى مع عدم وجود طلب مماثل لها.
كل ذلك بسبب غياب التخطيط والتنسيق السليم بين مختلف الجهات المعنية والذي كان من الأسباب الرئيسية للارتفاع المستمر لنسبة بطالة حاملي الشهادات العليا، وأصبح خريج الجامعة اليوم غائبا عن المجتمع نظرا لأنه لا يشارك بعمل مثمر لا لنفسه ولا لمجتمعه، رغم أنه في الأساس استثمار تم تخصيص الكثير له في سبيل الحصول على عوائد.
الحل يكمن في اعتماد سياسة عقلانية في التخطيط لأستثمار الموارد البشرية طالما ان سوق العمل بالدرجة الاساس هو مؤسسات الدولة و دوائرها . و أيضا على وزارة التعليم العالي أعتماد سياسة جديدة للقبول في الجامعة و برامج الدراسات العليا . فمع تحديد نسب القبول و تجاوز سياسة ان جميع خريجي الدراسة الثانوية لهم مقاعد دراسية ، ورفع معدلات القبول في الجامعات و المعاهد لتحديد عدد الطلبة المقبولين ، والتحول من سياسة التعليم للجميع الى سياسة التعليم لمن يستحق ،و تحجيم مؤسسات التعليم الأهلي وتحديد عدد الطلبة المقبولين فيها و فرض برامج جودة تحت رقابة مؤسسات رصينة ، أضافة الى تقليص برامج الدراسات العليا الى الحد الادنى وفي اختصاصات معينة يتطلبها سوق العمل . ستساهم في توفير حل مستقبلي لتخفيض نسبة ظاهرة بطالة المتعلمين.

قيم الموضوع
(0 أصوات)
د. تحسين الشيخلي

كاتب واكاديمي عراقي

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه