ardanlendeelitkufaruessvtr

حرمة الدم العراقي

حرمة الدم العراقي

علي الشكري

المتأمل في القرآن الكريم بل والشرائع السماوية الأخرى يجد أن الإنسان محورها وهدفها وغايتها ، من هنا دارت الرسالات السماوية ومرسليها حوله ، فكان مرتكزها حرمت دمه ، وهدايته ، وخلافته في الأرض ، وثوابه وعقابه . ويقيناً أن خاتمة الكتب والرسالات تناولت الإنسان بآليات وتفصيلات وتحريمات وحمايات لم تسبقها اليه وفيه رسالة ، فكان الإنسان هدف الإسلام وغايته ، حتى كُرم بخلافة الله في الأرض (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) وفُضل على سائر خلق الله (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ) ( أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ) . وبالقطع أن مقتضى هذا التفضيل يستلزم الحماية والتحصين وإلا انتفى مستلزمه وموجبه ، وأولى مقدمات التحصين حرمت النفس والدم ، ( مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ) . ويبدو أن بلاد الإسلام وغيرها تلقفت حرمت الدم البشري وجسدته بنصوص وممارسات ، لكن شتان بين نصوص وثانية وممارسات وأخرى ، فرفع بعضها عن عقيدة شعار الإنسان أغلى المخلوقات وأكرمها ، فحّرم دمه الا بالحق ، ومن أجل القصاص أو حماية أمن المجتمع ، وجعله أخر الدواء .
حرمة دم
ولم يرَ الآخر فيه الا وقود للخراب ، ومادة للاستهلاك ، ووسيلة لاستمرار الحياة ، فقدم في أحياناً كثيرة حرمة دم الحيوان على حرمة دمه. واللافت في العراق ، مهبط الرسل ، وبلاد الإمامة وموطن الاوصياء والصالحين ، بلد الإسلام والمسلمين ، البلد الذي لو مرض فيه المسلمين مرض الإسلام واهله ، راح دم أهله مهدور مباح مشرع للحاكم والمستبد والجبار والإرهابي ، بل راح نبأ قتل النفس التي حرّم الله الا بالحق خبر عابر لا يستوقف المتلقي ولا يلفت نظر المطلع ، لا يكترث له الحاكم ولا المحكوم ، يتعاطف العالم ، ويعزي القادة ، ويتوشح أهل المهدور دمه بالسواد ، ويستخلف الشعب قبل الحاكم الله في المغدور ، دون وقفة سلطوية أو ردة فعل تتناسب والحدث ، وهول الكارثة ، والمساس بما حرم الخالق ، عجيب أمر الحاكم والمحكوم ، إن لم تخشَ الخالق في خلقه ، فاستحي من العالم المتفرج ، الذي راح يحتسب الى الله في الدم العراقي ، بل راحت الشعوب تتعاطف خشية المآل ، والشعب العراقي يستنكر ويندد ويعيش الحدث العابر ، ويقيناً أن بخس قيمة الدم العراقي ارث متراكم ، هو ليس وليد اليوم ، لكنه نتاج تاريخ مليء بالقتل وهدر الدم واستباحة الحرمة ، حتى راح الأجنبي يتطاول ، والوطني يتقبل ، والحاكم يهدر ، والمحكوم يستبيح ، لكن اللافت في هدر الدم العراقي منذ عدة عقود خلت ، القتل الجماعي ، وصمت الداخل ، وعدم تعاطف الخارج ، ويقيناً أن من لا يحرص على دمه وحرمته لا يتأمل حرص العالم وحمايته ، فقد بدأ خط الشروع باستباحة دم الأسرة المالكة في أبشع مشهد للقتل الوحشي ، ثم نبش القبور وسحل الجثث والمُثلة بها ، فتقبل العقل الشعبي ذلك المشهد الذي ينم عن سلوك حيواني منحرف ، ثم الكوارث التي تلت بعد أشهر قليلة محدودة ، حيث راحت جثث الآمنين تلقى من أعلى البنايات ويُمثل بها ويرقص عليها احتفالاً بقتل مسالم وترويع آمن ، والحاكم سعيد منتصر حيث يعتقد أنه ضرب الشعب بالشعب فخرج منتصراً ، ولا يعلم أنه حفر قبره بيده ، فقّرب بفعله أجله ، وسّرع في زول حكمه ، والشعب يهتف بانتصار الدم على الدم ، فليس المهم من أهدر دمه ، لكن الاهم أن الحاكم سالم سعيد ، وراح مسلسل الدم يتولى تترا ، إذا يتبع كل انقلاب قتل وتمثيل وتهجير ، حتى استتب الحكم لمن اتخذ من الحديد والنار أداة ووسيلة وآلية للحكم ، فوصفت الحقبة المظلمة بجمهورية الموت ، القتل مصير ، والتعذيب وسيلة معتادة ، والتمثيل بما حرّم الله مقبول مباح ، الزج في غياهب السجون رحمة ونعمة ، انتهاك الحرمات معتاد ، وفي تجاوز الحدود منجى ومعتصم . وتنفس مهدور الدم على يد الحاكم المستبد الصعداء لوهلة اعتقد فيها ، أن في زول الظالم على يد الظالم خط الشروع في حياة جديدة ، عنوانها العراقي أولاً وشعارها الإنسان أغلى المخلوقات ، المُقدم الذي لا يُقدم عليه مواطن ولا شعب ، الثروة ملك الشعب ، والديمقراطية عنوان المرحلة ، والحرية التي لا تحدها الا حرية الآخرين مطلب الحاكم قبل الشعب ، ولما يزل الشعب لم يستيقض من حلم طال انتظاره ، فإذا بكابوس الموت يلاحقه مرة أخرى ولكن هذه المرة على يد الفاتح المحتل ، الذي خطط وسهر وجمع وبذل وأسقط بقصد تدنيس ارض المقدسات ، فراحت آلته العسكرية تبطش بالشعب ، وشركاته الأمنية تفتح فوهات نيرانها بمناسبة وغيرها ، حتى راح الشعب يبحث عن المسافة لطمأنة جند المغتصب ولو على حساب أمنه وحريته وحتى حياته فالمهم أمن الوافد لا أمنه ، ونهر الدم العراقي ممتد متواصل ، والعزاء فيه البحث عن المستقبل الذي طال انتظاره وكثرت قرابينه وغلا ثمنه وجمعت قائمة حسابه ، ولا ضوء له في نهاية النفق . وتعاون على استباحة الدم العراقي المحتل والإرهاب الذي راح يضرب بأطنابه طول البلاد وعرضها فلم ينجو من شره شرق ولا غرب ، حتى قطّع أوصال البلاد بين مثلث الموت والغرب الدامي ، والثمن الدم المستباح ، وقوافل الشهداء تتوالى تترا حتى راحت أعمدة الكهرباء الممتدة على طول الطرق الخارجية تتزاحم بها ، ثم المسلسل الأكثر حلكة ودموية ، حيث رافق نهر الدم تدنيس الأرض والعرض ، والقتل الذي خالطه المُثلى باسم الإسلام والإسلام منهم برآء ، فكانت الخسارة الأفدح فبعد أن كان العراق انموذجاً للإسلام المعتدل اضحى الإسلام يوسم بالإرهاب.
المسلم مطارد
فاستباح الكافر دم المسلم بل راح المسلم مطارداً مراقب مشكوك في سلميته واعتداله ، خائف يتهدده غير المسلم ، وتراقبه أعين الأجهزة الأمنية ، يقف في مؤخرة الصف للعيش بأمن قاضٍ جل وقته لإثبات سلميته . وبعد أن حرر الشعب الحر أرضه من دنس المحتل الجديد الذي لم يرعَ دين ولا ذمة ، ظن العقل الشعبي الجمعي أن الحاكم سينحي لتضحياته إجلالاً وإكباراً ، عرفاناً بجميله ، وتعويضاً لتضحياته ، التي التي حررت واعادت وانتفضت وأبقت المتصدي في سدة الحكم ، لكن التنكر لعوائل من ضحّى ، والصد عمن قدم ، واهمال من افتدى وتقدم ، كان هو الرد والتجويع هو الثمن ، والتنكيل بمن خرج مطالباً بحقه هو المقابل ، والتغييب في غياهب السجون هو المآل ، حتى اضحى العراق مجدداً يتقدم الصفوف في نسب الفقر ، وارتفاع البطالة ، وتراجع الخدمات إجمالاً والصحية خصوصاً ، وإلا فهل من المنطق الموت الجماعي الذي خلفه احتراق مستشفى ابن الخطيب في مشهد هو الأقسى في القرن الحادي والعشرين ، المشهد الذي اذهل العالم الأكثر تقدماً والأقل ، حتى راح المتخلف والفقير من الشعوب متعاطفاً مع ظلامة الشعب المقهور ، بل راح المتفرد من الحكام يوجه سهام نقده لما آل اليه الحال في العراق ، مذّكراً شعبه أنه ينعم بالخيرات مقارنة بغيره ، عجيب أمرك المتصدي بسلالتك الممتدة ، ألم ترَ في ظُلامة الشعب المتصلة طوال تاريخ العراق المعاصر ما يستحق الإنصاف ؟ فشعب عاش على مدى نصف قرن من الزمان وهو يُقتل ويُسجن ويُهجّر وتُصادر أمواله وتُسبى نسائه شعبٌ يستحق الإنصاف ، وتعويض ما فات وجبر الخواطر وتضميد الجراح ، لا أن يُنكل به مجدداً وهذه المرة على يد من عارض وهاجر وقُتل أهله وذويه وتنقل بين الأصقاع حاملاً القضية طالباً النصرة ، فظلم ذوي القربة اشد مضاضة ، ويقيناً أن العبرة ليس بما فات ومضى ، لكن العبرة كلها في القادم ، فالعراق شعب ولود برجالاته ، خصب بأرضه ، غني بوارداتها ، مميز بتنوعه ، متفرد بموقعه ، قدره الإهمال والاستهداف ، يموت شعبه ويحيى غيره، وهو قادر على التصدر والتصدي والوقوف الى جانب الكبار ، وهو ما يليق به لا بغيره ، ويقيناً أنه قادم ولو حرص الحاسدين على بقاءه كسير اسير ، فالعراق يمرض وغيره يموت ، يتراجع لكنه يعود متصدر، يقف في صفوف المتفرجين ، وما يلبث أن يعود لاعباً موجهاً وفي كثيراً من الأحيان متحكم ، والعاقبة للصابرين المحتسبين .

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه