ardanlendeelitkufaruessvtr

الساهر يعيد تعريف الحياة

 

الساهر يعيد تعريف الحياة

كرم نعمة

في يوم ما كان كاظم الساهر، ولم يزل، جائزة ترضية توحد العراقيين برمّتهم، بيد أن الساهر وهو يعيد تعريف الحياة في قصيدة غنائية معبرة صار جائزة ترضية إنسانية وسط المخاوف والصدمات التي خلفها الوباء.
فنان مخلص لتعبيريّته الموسيقية
مع وجود بعض التنازلات الفنية التي يقدمها الفنان كاظم الساهر تحت وطأة حاجة “الثقافة السائدة” إلا أن مساحة الفنان المخلص لتعبيريّته الموسيقية تبقى قائمة وتشغل الحيز الأوسع في مشروعه الفني.
تجسد ذلك الإخلاص فيما قدمه هذا الأسبوع بأداء قصيدة “الحياة” في توقيت ينم عن حاجة إنسانية وفنية ماسة، بينما الحياة برمّتها تعيش صدمة الوباء.
هذه الأغنية التي كتبها الساهر نفسه، تكاد تعبر عن الحياة في زمن وباء كورونا. نص شعري استغرق من الساهر زمنا لحنيا متأنيا “كما يبدو لي” مستثمرا تفرّغه بعد إلغاء الحفلات الجماهيرية وغياب أكثر من عام عن جمهوره.
استعاد الفنان العراقي مطولاته الغنائية في توظيف مقام حجاز كُرد السريع على نص شعري مفعم بتساؤلاته الحزينة. ولأن الساهر ملحّن بامتياز فإن قدرته على تطويع مقام الكرد لنص شعري أقرب إلى مقامات الصبا والبيات واللامي، ينم عن طريقة تلحين الساهر التي تتقاطع مع الموروث عندما يضع لنفسه بصمة لحنية مغايرة.
لذلك كانت تنقلاته اللحنية عبر المقاطع في هذه الأغنية ترتكز على مقام الكُرد ويتنقل بسلاسة تعبيرية إلى مقامات النهاوند والبيات والسيگاه ومن ثم يعود إلى أصل مقام الكُرد في نهاية كل مقطع ليذكّرنا ماذا تعني له ولنا الحياة.
استفاد الساهر من التوزيع الموسيقي للفنان اللبناني الشاب ميشيل فاضل الذي وضع لمسه موازية على اللحن، خصوصا بعد نجاحهما من قبل في لحن “مالي خلق” الأغنية التي عدّت فاصلة تعبيرية باهرة في تجربة الساهر وهو يغنّيها مع مجموعة من الأطفال.
تنطلق أغنية “الحياة” بمقدمة موسيقية عميقة وكأن الكمانات الحزينة قادمة من تاريخ موغل في تجارب الحياة، وإن كانت تعيدنا إلى مقدمة لحن قصيدة “قولي أحبك” حتى تصل إلى صوت الساهر: شرِبت من أكوابها/صبابةً حتى الملل/وعشتُ في عذابها كآبةً لا تُحتمل/باركتُ حتى غدرَها/ولم أفارِق الأمل/قاومتها في مكرها/من حكَّم العقل وصل/من لم يُفق من وهمه/فعن أساه لا تَسل/صارت حياته عدم/صارت همومه جبل… إلى أن يصل إلى التعريف المنتظر من الأسماع: هيَّ الحياةُ هكذا/ذا طبعُها منذ الأزل!
ويأتي صوت الكورس الرجالي موازيا عند ارتقاء صوت المغنّي لمفردة الحياة، في تعبير أشبه بتذكير قاس لمعنى الحياة. أرى أنه لو استعان بصوت كورس نسائي كان يبدو الحال أكثر تعبيرية في التعريف اللحني المتسائل لمعنى الحياة.
لقد قدم الفنان كاظم الساهر على مدار تجربته الفنية الممتدة على أربعة عقود مئات الأغاني، لكنها لا تمثل بمجملها الحس التعبيري الكامن في موهبته، وأرى أنه قد يتنازل عن نسبة من هذه الأغاني، على الأقل بينه وبين نفسه، لكنه يعبر جدارة عن ولعه الفني في أغاني أرخت لتاريخ من الوجع والتساؤل والحب عندما يتعلق الأمر بمدرسة الحب مثلا، أو مشتاق، أو زيديني، دقيت باب الجار… ويبدو لي أن قصيدة “الحياة” التي كتبها ولحنها الساهر لصوته وقدمها في زمن تتصاعد فيه الاستعانة بالنخب الفكرية والفلسفية لإعادة تعريف الحياة المكبلة بوباء كورونا، ستضاف إلى قلادته اللحنية التي توّج بها تجربته المستمرة.
وإذا كانت هذه القراءة لأغنية “الحياة” مفرطة في تفاؤلها، فلأن كاتبها وإن كان أكثر من قسا على ألحان الساهر عندما تتنازل عن تعبيريتها، يثق بأن الحسن اللحني العميق لدى كاظم الساهر يمتلك الموهبة والقدرة للتصاعد، ولم يعد الفنان العراقي بحاجة إلى أن ينظر إلى حاجة السوق وشروط شركات التسويق وتراجع الذائقة السمعية، أكثر من حاجته إلى التعبير عن نفسه كفنان يعرف ماذا يريد اليوم وفي المستقبل.
في يوم ما كان كاظم الساهر، ولم يزل، جائزة ترضية توحد العراقيين برمّتهم بعد أن أذهلهم السؤال المفاجئ “هل نحن مختلفون إلى هذا الحد؟”، بيد أن الساهر وهو يعيد تعريف الحياة في قصيدة غنائية معبرة صار جائزة ترضية إنسانية وسط المخاوف والصدمات التي خلفها الوباء.
كاتب عراقي مقيم في لندن

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه