ardanlendeelitkufaruessvtr

رئيس يردم النار

بقلم علي الصراف حزيران/يونيو 10, 2021 182

 

رئيس يردم النار

القضية الفلسطينية بحاجة إلى "إعادة تقديم" دائمة لكي لا تخرج من دوائر الاهتمام الإقليمي والدولي، وما لم يكن الرئيس قادرا على إضافة زيادة من اندفاعات شعبه وتضحياته فإن بقاءه خسارة.
هوس البقاء في السلطة
الرئيس محمود عباس ليس من النوع الذي يستقيل. كما أنه ليس من النوع الذي يقبل بالهزيمة في انتخابات. وإذا لاح له ذلك، فإنه ينسف الانتخابات قبل إجرائها. وإذا خُطط لها، فإنه سوف يسبقها بترتيبات تحفظ له بقاءه. وإذا لم يحصل عليها، أوجد ذريعة لإلغاء كل شيء.
هو صاحب اللعبة، ويريد لنتائجها أن تأتي على مرامه، لا على مرام الفلسطينيين ومصالحهم وقضيتهم الوطنية المقدسة.
البقاء في السلطة، كما تقول هذه اللعبة، قضية أقدس.
أحد أهم دوافع الحاجة إلى التغيير على رأس السلطة الفلسطينية وقيادة مؤسساتها، هو أن هناك معادلات جديدة، تتطلب مقاربات جديدة، ووجوها قادرة على تجسيدها وتقديمها للعالم ولإسرائيل نفسها.
وجود رئيس جديد في الولايات المتحدة، يدافع عن حل الدولتين، وحكومة إسرائيلية جديدة يدعمها للمرة الأولى ممثلون لفلسطينيي 48، والانقسامات الحادة داخل المجتمع الإسرائيلي، ونتائج حرب أظهرت وحدة الشعب الفلسطيني وقدرته، بالقوة، على الدفاع عن حقوقه الوطنية المشروعة، كل ذلك يبرّر الحاجة إلى رئيس فلسطيني جديد، يستطيع أن يحمل مشاعل هذه المتغيرات ليخلق منها وهجا يشق الطريق إلى سلام عادل؛ رئيس نشط، منتخب، يتحرّك في كل مكان، ويفرض لنفسه مساحة في الإعلام والدبلوماسية والعلاقات الدولية، ويتواصل مع قادة العالم، ويفتح طرقا جديدة، يثير زوابع، يبتدع نشاطات، ويُبقي سفينة قضيته عائمة ومنظورة وقوية وقادرة على أن تكسب للحقوق موطئ قدم إضافي، وأن تقدم للسلام ما قد يحتاجه.
الرئيس عباس، لا يملك هذه القدرة. عمره، وصحته، لم تعودا لتسمحا له بالكثير. وليس من المعقول أن تتحول القضية الوطنية الفلسطينية إلى ضحية لعمر وصحة أي أحد. ولا أن تترهل كما يترهل جسد رجل واحد. العكس هو ما يجب أن يكون. بمعنى أن يجد الفلسطينيون رجلا أو امرأة، يقلب الرماد نارا، لا أن يردم النار كما يفعل الرئيس عباس.
نعرف أن هناك ثوابت لا يستطيع عباس أن يخرج عنها. بمعنى أن عمره وصحته اللذين يخونان قدرته على الحركة، لن يدفعاه إلى التنازل عنها ولا الزيادة عليهما. ولكن هذا لا يكفي. القضية الفلسطينية بحاجة إلى “إعادة تقديم” دائمة لكي لا تخرج من دوائر الاهتمام الإقليمي والدولي. وما لم يكن الرئيس قادرا على إضافة زيادة، من اندفاعات شعبه وتضحياته، فإن بقاءه خسارة.
منذ أن تولى الرئيس عباس سلطته في 15 يناير 2005، والقضية الفلسطينية في تراجع متواصل إعلاميا وسياسيا ودبلوماسيا. عجزه عن الحركة انقلب وبالا على الجميع. وانشغاله بملاحقة الصغائر سمح بتصغير قيمة ومكانة سلطته هي نفسها.
ألا تحتاج أي حركة وطنية إلى دماء شابة؟ ألا تحتاج إلى تفاعلات داخلية حارة من أجل تقليب الخيارات واختبار الإمكانيات وتفحّص الأفكار؟ أليس من الواجب أن تكون القيادات مؤهلة (وليس فقط قادرة) لكي تسلم الشعلة إلى جيل آخر؟ أليس البحث عن استراتيجيات بديلة، من خلال نقاش وطني نقي، أمر واجب لكي تبقى الأرض تغلي تحت أقدام الاحتلال؟
سلطة الرئيس عباس تقتل كل ذلك. إنها لا تقتل الحاجة إلى التغيير في المناصب فحسب، ولكنها تقتل آليات استمرار الحياة في الحركة الوطنية الفلسطينية أيضا.
كان من الأولى بالرئيس عباس ألا ينام الليل منذ أن انتهت ولايته الرئاسية في العام 2009، من أجل إيجاد سبيل لتجديدها أو فتح الطريق لخوض سجال ديمقراطي حولها. كما كان يمكنه أن يثير الكثير من الغبار من حول هذه القصة ليقول إن الرئاسة الفلسطينية كائن حي. ولكنه آثر التكاسل؛ آثر الاستسلام لعسل السلطة، لمجرد أنها سلطة.
السلطة الفلسطينية لا تصلح أن تكون “سلطة عسل” ليغرق فيه أي أحد. إنها سلطة قتال، يسقط على جنباتها ضحايا، ويتأثر بفشلها أو نجاحها ملايين الفلسطينيين. إنها ليست سلطة كغيرها من سلطات الدنيا. ورئيسها هو رئيس أركان حرب. لا رئيس أركان حفنة أتباع ومريدين ومستفيدين.
والرئيس عباس حتى وإن أدى دورا في مطلع رئاسته، فإنه يستطيع أن يرى بنفسه، أن هذا الدور تراجع وتضاءل، كما تراجعت مكانته بين نظرائه، إلى درجة دفعت جبريل الرجوب، أمين سر اللجنة المركزية لحركة “فتح”، في لحظة صدق عفوية، إلى القول “إن أحدا لا يتصل بالرئيس عباس”، بينما كان شعبه كله يخوض معركة الدفاع عن الأرض والكرامة ضد إسرائيل بصواريخ غزة والمواجهات في القدس وأراضي 48. بكلام آخر: الدنيا كانت مقلوبة، وتلفون الرئيس عباس لا يرن.
ألم تكن تلك كارثة؟ ألم تكن صمتا صارخا يقول للفارس: ترجّل.
الرجوب قدم تفسيرا فنتازيا بالقول إنها “مؤامرة جاريد كوشنر”، من دون أن يلاحظ أن كوشنر نفسه لم يعد لاعبا، وأن صفقة القرن أفلست برفض شعبه، وأصبحت خارج الملعب بهزيمة دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية، منذ نوفمبر الماضي، ومجيء رئيس جديد إلى البيت الأبيض يدعم حل الدولتين.
ولو كانت هناك في الواقع “مؤامرة”، فإنها مؤامرة العمر والصحة. وهذه علاجها بسيط: الاستقالة. لكي يهنأ المرء بما بقي له من أيام، ويترك أرض المعركة لأهلها، لكي تعود فتصخب بالنشاط والحركة وتجني الثمار عندما تعود الدنيا لتنقلب مجددا.
الوضع الحرج الراهن نفسه، لا يمكن أن يستمر. والهدنة التي انتهت إليها حرب الأيام الأحد عشر، ما تزال هشة. والإسرائيليون لن يقبلوا ما بدا أنه هزيمة لهم. والحاجة إلى إعادة نظر في خيارات السلام تبدو ماسة للغاية، ولكن من دون أن تتوفر لها قوة دافعة.
كل هذا يُملي أن يكون هناك رئيس، ومؤسسة رئاسة قادرة على أن تسرق الشعلة. تخيّل لو أن حربا أخرى اندلعت، وبدا الرئيس عباس وكأنه لا محل له من الإعراب مجددا، وليس ممن يتصل به أحد، وليس لديه من يتصل هو بهم، لأنه وضع نفسه خارج مستجدات اللعبة. فماذا سيعني ذلك؟
رئيس يكتفي بأن يلعب لعبته الخاصة، لا يقدم حتى لنفسه شيئا، بينما استقالته يمكن أن تحرّك الكثير من المياه التي شاء أن تظل راكدة.
علي الصراف
كاتب عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه