ardanlendeelitkufaruessvtr

حرب الريموت كونترول

بقلم هيثم الزبيدي أيلول/سبتمبر 22, 2021 289

 

حرب الريموت كونترول

الريموت كونترول لم يكن سائدا في أوائل الثمانينات عندما شاهدت الفيلم لأول مرة، لكني أدركت أنه جهاز سحري.
جهاز سحري
بين فترة وأخرى، أعيد مشاهدة فيلم “أن تكون هناك”. الفيلم قديم نسبيا إذ أنتج عام 1979. كنت مراهقا عندما شاهدته لأول مرة على الفيديو وكنت أنتظر أن يقدم الممثل الرئيسي في الفيلم بيتر سيللرز شيئا كوميديا كما اعتدنا منه في فيلم “الحفلة” وسلسلة أفلام “الفهد القرمزي”. الفيلم هذه المرة كان كئيبا شكليا وبصريا، لكني أعتقد أنه كان أول درس لي بمعنى الكوميديا السوداء.
الشخصية الرئيسية في الفيلم هي “تشانسي غاردنر”. هو بستاني بمستوى أقل من محدود في الذكاء. تربّى في منزل في واشنطن لم يغادره أبدا. حياته هي الحديقة المسورة وجهاز تلفزيون يطل من خلاله على أشياء لا يبدو أنه يستوعبها. اسمه “تشانس” أي حظ، تجمعه صدفة وحادث بسيدة من علية القوم بعد أن توفي صاحب البيت وطرده ورثته. قال للسيدة اسمي “حظ” البستاني وهو يكح. سمعته “تشانسي غاردنر”. من يومها تغيرت دنياه ودخل عالم الكبار وهو يردد كلمات مبهمة يفسرها الآخرون أنها حكمة.
قبل أن يلتقي السيدة، كان “تشانس” يتجوّل في الشوارع هائما لا علاقة له بالواقع. يحمل حقيبته، وفي جيبه شيء واحد: ريموت كونترول للتلفزيون. تعترضه شلة مراهقين ويبدأون بإزعاجه. لا يفهم الموقف فيمدّ يده إلى جيبه ليخرج الريموت كونترول ويصوبه نحو المراهقين “ليغيّر” المشهد المزعج أمامه. لم يكن الريموت كونترول سائدا في أوائل الثمانينات عندما شاهدت الفيلم لأول مرة، لكني أدركت أنه جهاز سحري.
العراقيون يحترمون الريموت كونترول ويقدرونه بشكل خاص. ادخل أي بيت عراقي وسترى أنهم للحفاظ عليه، يلفونه بورق السوليفان العراقيون يحترمون الريموت كونترول ويقدرونه بشكل خاص. ادخل أي بيت عراقي وسترى أنهم للحفاظ عليه، يلفونه بورق السوليفان
قبل الريموت كونترول، كان عليك أن تقوم من مكانك وتذهب إلى التلفزيون لتغيير القناة، سواء عبر تدوير قرص ميكانيكي، أو الضغط على أزرار تصطف فوق بعض. كانت “معاناة” حقيقية، وعليك أن تتخيل الوجوه وهي تنظر لبعضها بين الجالسين حين يتم اقتراح تغيير القناة: من الأقل كسلا ليتحرك ويغيّر القناة. في بلدي، لم تكن القضية مطروحة بشدة، فهناك قناتان فقط، تبثان من السادسة عصرا إلى منتصف الليل، تندمجان لتبثا نشرات الأخبار مرتين في هذه الساعات القليلة، ونشرة الأخبار من الممكن أن تمتد من الثامنة إلى ما يقرب العاشرة مساء، ليعود موعد النشرة التالية في العاشرة وتعيد ما بثته في الثامنة. تغيير القناة في أقصى حالاته هو نحو قناة مبرمجة للفيديو، أو إذا كنت تعيش في منطقة من الجنوب، فثمة فرصة لاستقبال قنوات الخليج.
تسللت التلفزيونات ذات الريموت كونترول بسرعة، ومع الفضائيات صارا اثنين. العراقيون يحترمون الريموت كونترول ويقدرونه بشكل خاص. ادخل أي بيت عراقي وسترى أنهم للحفاظ عليه، يلفونه بورق السوليفان. الأب سبق وأن كسر غطاء البطاريات لأنه يعامل الريموت كونترول مثل مسبحة. السوليفان يبقي البطاريات بمكانها ويخفي بعضا من “الجريمة”.
الريموت كونترول في كل مكان الآن. في البلاد الحارة، الذي يسيطر على الريموت كونترول لجهاز التكييف، يتحكّم بدرجة حرارة المكتب أو البيت. هذا صراع من نوع آخر. هذه تحس بالبرد وذاك بالحرارة، وهذا قريب من فتحات المكيف وتلك تيأس من إمكانية السيطرة على الريموت كونترول، فتعيد توجيه فتحات التهوية ناحية زميلة لها.
مفتاح تشغيل السيارة ما عاد مفتاحا. هو ريموت كونترول تضعه في جيبك. تترك السيارة تشتغل كي لا ينطفئ التكييف في بلد حار. لن يسرقها أحد. الريموت كونترول في جيبي. جهاز الإنذار في البيت. فتح وإغلاق الكراج. مشغل جهاز تضخيم الصوت الملحق بالتلفزيون. ألعاب الفيديوغيم للأولاد. طائرة مسيرة على بعد قارات تنفذ غارة وتطلق صواريخ.
يبقى الريموت كونترول للتلفزيون هو الأصل. سامسونغ تعطيك اثنين منه. واحد حداثي بلا أزرار والآخر كلاسيكي مليء بالأزرار. ضعهما في غرفة واحدة للتحكم بتلفزيون واحد وستعرف معنى جديدا للحرب الباردة: من يسيطر على أي بث تدفقي وأي برنامج يعرض، هو من يربح المعركة.
هيثم الزبيدي
كاتب‭ ‬من‭ ‬العراق‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬لندن

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه