ardanlendeelitkufaruessvtr

أماكن في القلب وأماكن جامدة على الشاشات

بقلم طاهر علوان أيلول/سبتمبر 27, 2021 314

أماكن في القلب وأماكن جامدة على الشاشات

 

إشكالية تفاعل المكان والشخصية السينمائية بأبعادها الثقافية والإنسانية والفلسفية والنفسية تتجسد في كل متكامل كثيف ومتداخل.

صراع مع متغيرات المكان

في البدء كان سؤال "أين" فيما يتعلق بالكائن البشري وفضائه الحيوي ومساحته التي يمارس فيها حياته، وفي نفس الوقت يصبح المكان مرآة له، لشخصيته وسلوكه واهتماماته اليومية.

ذلك الفضاء الحيوي له وظيفة أخرى على الشاشات وما نشاهده اليوم من خليط من أفلام الحركة والعنف كما أفلام الخيال العلمي والأفلام التاريخية والموسيقية وأفلام الرعب وغيرها من الأنواع الفيلمية، كلها يرافقها سؤال “أين”، وبمعنى آخر سؤال البناء المكاني وقل جماليات المكان وارتباطه الوثيق بجوهر عملية التلقي والمشاهدة.

في موازاة ذلك تباينت على مر تاريخ السينما أساليب المخرجين ورؤاهم في تجسيد المكان والعناية به وبنائه تعبيريا وجماليا وتعزيزه بالدلالات والإيحاءات في مقابل تجريده من الكثير من التفاصيل وإظهاره على أنه مجرد سطح تقع عليه الأحداث لا أكثر.

وما بين المكان المفتوح والخالي وبين المكان المدجج بالعناصر المرئية ثمة فاصلة يتم من خلالها الانتقال بالشخصيات إلى أماكنها الأليفة وإلى الطفولة والذكريات والماضي، ثم ما يشهده المكان من تحولات ترتبط بصميم فعل وحياة الشخصية وهي تتفاعل معه وتتداخل في عمق الذاكرة ملامحه ومكوناته، وذلك هو الفارق والمفصل الحيوي ما بين أماكن تبقى في العقل والذاكرة وبين أماكن تتشظى عن الذاكرة وتذوب مع الزمن ولا يبقى لها أثر.

هنالك الأماكن الأشد قسوة وتأثيرا على الشخصيات حيث نصبح هنا أمام مثال يتجلى من خلاله نوع من الصراع مع متغيرات المكان من ثورات الطبيعة كالبراكين والفيضانات والعواصف والكوارث الأخرى، ليس هنالك من سلام مع المكان في هذه الحالة بل هو نوع من الصراع من أجل البقاء لا أكثر.

سوف نتذكر هنا أفلاما مثل “مابعد الصدمة” 1990 و”ارماغادون” 1989 و”استرويد” 1997 و”اليوم بعد الغد” 2004 و”الطوفان” 2007 و”الإعصار” 1937 و”في العاصفة” 2014 و”ميتيور” 1979 و”عاصفة” 1999 و”تويستر” 1996 و”البركان” 1997 و”الموجة” 2015 وغيرها.

واقعيا إن هذه الأمثلة التي يتم من خلالها تجسيد المكان الطبيعي على الشاشات إنما يراد من خلالها نوع مكاني أكثر واقعية وأكثر تأثيرا في المشاهد الذي يخيل إليه أن ما يشاهده هو الحقيقة، وكيف يتحول الإنسان في وسط ذلك إلى عاجز عن تغيير الكارثة المكانية وأنه يتحول إلى مغامر في سعيه من أجل الخلاص ومن ذلك المضي بالتوصيف والعرض المكاني إلى نهاياتهما وما هما بمنتهييْن.

في المقابل هنالك ما هو غير قابل للتغيير مكانيا أو أن المكاني في الفيلم يتميز بكونه تعبيرا عن حالة ذهنية وعقلية ونفسية جامدة وذلك فيما يمثله المكان من إحالة واقعية وصورة مرآوية للشخصية، ومن ذلك تجسيد المكان بتشكلات شتى يتم فيها تقزيم الكائن وإظهار سطوة المكان عليه، وهو ما نشاهده في بعض أفلام الخيال العلمي وفي أفلام الأساطير.

بالطبع هنالك العديد من الأمثلة في هذا الباب، لكن تلفت النظر مثلا تلك الأماكن المرتبطة بالسيرة الذاتية أو بحياة ماضية مرتبطة بالشخصية وبتحول المكان إلى شاهد على تحولات شتى عصفت بالشخصية في مرحلة من مراحلها وفي مفصل شديد الأهمية من مفاصل حياتها، وكما شاهدنا ذلك في أفلام مثل “لعبة التماهي” و”12 عاما من العبودية” و”سبينسر وغاندي” و”أميركان غانغستر” و”بوني وكلايد” و”دوني براسكو” و”ايل ديفو” و”الجنرال” و”المفقود” و”سلمى” وغيرها كثير.

واقعيا سوف تتجسد إشكالية تفاعل المكان والشخصية بأبعادها الثقافية والإنسانية والفلسفية والنفسية في كل متكامل كثيف ومتداخل ولسوف تتباين أساليب المخرجين في فك تلك المغاليق وبث الشيفرات المكانية الأكثر تعبيرا عن الشخصية وما هي عليه.

طاهر علوان

كاتب عراقي مقيم في لندن

قيم الموضوع
(0 أصوات)
آخر تعديل على الإثنين, 27 أيلول/سبتمبر 2021 07:01

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه