بسم الله الرحمن الرحيم
السيادة الوطنية وإشكالية القرار السياسي العراقي
الدكتور شاكر عبد القهار الكبيسي
السيادة الوطنية هي السلطة العليا والمطلقة للدولة على أراضيها وشعبها والتي تمنحها صلاحية ممارسة سلطاتها الرسمية وغير الرسمية بكامل الإرادة و الإستقلالية دون الخضوع لأي إرادة خارجية حيث تُمارس هذه السيادة في بُعدها الداخلي لإدارة مؤسسات الدولة وفق القانون لفرض النظام بالقوة المشروعة من قبل القوات المسلحة الوطنية بشقيها الجيش والشرطة لحماية الحدود والموارد الوطنية أما في بعدها الخارجي فإنها تُمثِّل إستقلالية الدولة في إدارة علاقاتها الدبلوماسية مع المجتمع الدولي ومنحها الحق في عقد المعاهدات و الإتفاقيات الدولية وتنفيذ سياساتها الخارجية التي تتفق ومصالحها الوطنية دون أي تدخل أجنبي أو ضغوط خارجية معينة, ومن هنا يتضح لنا أنّ السيادة كفهوم وشعار وواقع يتطلب إتخاذ القرارات السيادية بعيداً عن التأثيرات الخارجية سواء كانت قوة عسكرية موجودة على الأرض الوطنية أو ضغط مالي أو إقليمي ولكي يتجاوز المعنى القانوني والشكلي للسيادة وما يتصل بشرعية الدولة ونظامها السياسي وقدرتها على فرض وجودها الداخلي والخارجي والّذي لا يتحقق الًا من خلال الآتي:
1.الجانب العسكري والأمني والّذي يحقق الحماية والأمان للحدود الجغرافية الوطنية ويحقق السلم المجتمعي والأمان لعموم الشعب من خلال:
أ. حصر السلاح بيد الأجهزة الأمنية المختصة لحماية الأمن والنظام ورفع كفاءة الجيش وقوات الأمن الداخلي بالتدريب والتمكين والتسليح والقوة البشرية والوعي الوطني لتتمكن هذه القوات من إداء واجباتها بكفاءة ومهنية.
ب. المقدرة على تأمين الحدود الجغرافية للبلاد بجميع حقولها البرية والبحرية والجوية ومنع أي خروقات أو اعتداءات أجنبية و إمتلاك الوسائل اللازمة لذلك كالتخطيط والتنظيم والموارد المالية والأمن السيبراني لحماية الأمن القومي من أي خروقات معادية.
ت. منع أي تواجد لقوات أجنبية أو ميليشيات عسكرية بجميع أنواعها إن كان غير محكوم بإتفاقيات دولية واضحة ومعروفة ومحددة في غاياتها وتوجهاتها وبإشراف وطني دقيق.
ث. وجود سلاح خارج القوات النظامية يعني وجود مراكز للقوى وفاعلين غير حكوميين لديهم إمكانيات ونفوذ تسليحي ومالي وسياسي مما يُضعِف إحتكار الدولة لوسائل القوة.
2.إستقلال القرار السياسي: وهو من أهم أسس السيادة الوطنية وتُتَّخذ القرارات السياسية إستناداً الى المصالح الإستراتيجية للدولة وهي المسؤولة عن صنع القرار السياسي وتنفيذه بعيداً عن أي تدخلات أجنبية لإن إركان هذا القرار لجهة خارجية يعني مس واضح للسيادة الوطنية ولتحقيق ذلك لا بد من:
أ. يجب أن تكون صناعة القرارات القرارات المصيرية والسيادية مُستنِدة الى المصالح الوطنية العُليا ورفض أي إملاءات خارجية إقليمية أو دولية.
ب. منع أي تدخلات أجنبية في قضايا تخص التوازنات الوطنية كالإنتخابات وهيئاتها الوطنية المختلفة ونتائجها وتشكيل البرلمان والحكومات وصياغة التشريعات القانونية الوطنية بجميع أشكالها.
ت. تجنب الدخول في محاور دولية لأن ذلك يوقع العراق في مشاكل دولية نتيجة وقوعه في منطقة إستقطاب إقليمي ودولي يجعله ساحة لتصفية الحسابات وعُرضة للضغط على قراراته السيادية.
ث. ضرورة إتّباع سياسة خارجية متوازنة بين القوى الإقليمية والدولية وبناء علاقات مع جميع دول الجوار والعالم مبنية على:
أولا. مبدأ التعامل بالمثل.
ثانياً. العراق أولاً.
ثالثاً. عدم الإنجرار في تصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية .
رابعاً. إقامة علاقات دولية سياسية وإقتصادية وتعاونية مشتركة مبنية على المصالح الوطنية والسيادة الوطنية دون الإنخراط في المحاور.
3. السيادة المالية والاقتصادية الوطنية: يعتبر الاقتصاد اليوم من أهم محاور البناء والتنمية والوطنية كما أن إدارة الموارد المالية تتطلب المحافظة على أصولها وحمايتها من العبث من أي جهة كانت وتخصيص روافدها لسعادة الفرد العراقي مما يستوجب:
أ. السيطرة على الموارد الوطنية وتنظيم أصولها ومصادرها وحقولها وحماية المال العام الّذي تشكله عائدات النفط والغاز والموارد المالية الأخرى لأنها تُشكل عماد الإقتصاد العراقي.
ب. حماية الأموال العراقية من أي سيطرة أوتحكم خارجي وإتًباع سياسات مالية بعيدة عن أدوات الضغط الخارجي والقيود المصرفية الأجنبية كلما كان ذلك ممكناً.
ت. منع الإرتباط المالي بالخارج الّذي يعتمد آليات مالية دولية تستوجب الإحتفاظ ببعض الحسابات النقدية والنفطية في الخارج مما يخلق أوراق ضغط على العراق قد تُمارسها قوى خارجية حتى وإن كانت صديقة.
ث. السيطرة على حركة المال ومنع الفساد وتهريب الأموال وغسيلها من قبل جهات تستحوذ على المال بطرق غير شرعية ونقلها خارج العراق من قبل شخصيات تنفيذية أو دبلوماسية عراقية مما قد يعرض علاقاته الدبلوماسية في الخارج لتبعات قانونية ودولية معينة.
ج. تحقيق التنمية المُستدامة وبناء إقتصاد متنوع ومستقل وتقليل الإعتماد الكلي على الريع النفطي من خلال تفعيل قطاعات الصناعة والزراعة والتجارة والسياحة لتنويع الاقتصاد الوطني ومحاولة الإبتعاد عن الديون المالية والمساعدات والمؤن الخارجية وتخفيف الإرتباط بالدول الأخرى وربط مصير الاقتصاد بمساعداتها وأجنداتها ومصالح بلدانها.
ح. هناك علاقة وطيدة ما بين المال والسيادة فمن لا يملك غذاءه وقوته لا يملك قراره السيادي وحريته في صنع قرارات السياسة الدولية لذا يقتضي الأمر ما يأتي:
أولاً. تحقيق الإستقلال المالي الّذي يحمي القرار السياسي الوطني من التحكم والتبعية فتصبح قرارات الدولة السيادية رهينة لشروط الدول الخارجية أو للمؤسسات التجارية الدولية أو الدول الدائنة والبنوك والمؤسسات المالية الدولية الأجنبية خاصة عندما تعتمد الدولة على الخارج في تسديد وجدولة ديونها.
ثانياً. التحكم بمواردنا الوطنية وسيطرتنا على أصولها وبرامجها يقوي سيادتنا الوطنية وقرارنا السيادي بعيداً عن الضغوط الخارجية فإذا كانت أموال الدولة وعوائد ثروتها الطبيعية مجمدة أو خاضعة لبرامج البنوك الأجنبية فقد تُستخدم كأداة ضغط على قرارنا السيادي من خلال العقوبات المالية أو تحميد حساباتنا في الخارج أو وضع قيود عليها وبالتالي التحكم بقرارات الدولة وإخضاع إرادتنا الوطنية لأجندات خارجية.
4. سيادة القانون وأحكامه: تعزز سيادة القانون وتطبيقات أحكامه بعدالة من سيادة الدولة على النظام ومؤسساته الرسمية وغير الرسمية ويجعلها مُحصّنة أمام التدخلات الأجنبية بحجج حماية الشعب من تعسف النظام السياسي وضرورة رفع الظلم عنه ومن هنا يجب:
أ. فرض القانون وأحكامه بعدالة ومساواة على الجميع أفراداً أو جماعات أو جهات معينة داخل الدولة.
ب. تعزيز فاعلية مؤسسات الدولة المختلفة وإبراز دورها الوطني بإعتبارها هي الجهة الكفيلة في إدارة شؤون البلاد والتصدي الوطني لمراكز القوى الموازية والمتربصة لإحباطاتها.
ت. حماية حقوق الأقليات في البلد وممتلكاتهم وأموالهم وأرواحهم لمنع أي تدخلات أجنبية بحجة حماية المكونات أو الطائفة.
ث. إقامة نظام سياسي يقوم على الآليات والمعايير الديمقراطية في إختيار نظام الحكم الرشيد الّذي يحقق التنمية المُستدامة ويمنح الفرد حرياته الأساسية وخدماته المجتمعية بعدالة ومساواة مجتمعية لقطع الطريق أمام من يدعي الديمقراطية وحقوق الإنسان ويستخدمها للتعسف والضغط على الدول الأخرى.
وأخيراً يمكننا القول أن جلاء القوات الأجنبية من بلداننا يمثل نزوع وطني لا يختلف عليه إثنان لكن إبدال محتل مكان آخر ورفع أعلام لدول أجنبية ونحن نحتفل بيوم السيادة فلعلي أجد أن ذلك من أوهام الحاضر وتُمثِّل غَلًبة مصالح أجنبية على مصالحنا الوطنية لذا يجب أن ننصت لقول الحق ونُفكر بحكمة وعقلنة تضع العراق ومصالح شعبه و إستقلال قراره السيادي في أولوية تفكيرنا فلا مفاضلة بين القوى الأجنبية على أرض الوطن سواء كان أمريكيا ً أو بريطانياً أو برتغالياً ولا جدل في ذلك كما أن الواجب الوطني يدعونا كعراقيين الى حماية التراب الوطني وتحقيق الإستقلال الكامل بعيداً عن النفوذ و الإستقطاب الخارجي وإنهاء أي تواجد أجنبي أو إي إملاءات خارجية والتركيز على بناء عراق واحد ومؤسسات وطنية مستقلة وتداول سلمي للسلطة بعيداً عن الإرتهان لأي أجندة إقليمية أو دولية فالعراق لأهله وهم مسؤولون عن تحقيق سيادته الوطنية و إستقلاله التام.
3 إكتوبر 2026













